المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصلح


yacine414
2011-02-05, 14:32
عنوان هذه المذكرة الصلح في القانون الجزائري


الخـــطـة


الفصل الأول : الأحكام العامة للصلح .

 المبحــــــث الأول : مـــــــاهية الصلح .
 المطلب الأول: تعريف الصلح وشروطه.
 المطلب الثاني : تمييز الصلح عن الأعمال القانونية المشابهة له.
 المبحــــــث الثاني : أركــــــــان الصلح .
 المطلب الأول : التراضي في عقد الصلـــح .
 المطلب الـثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .
 المبحــــــث الثالث : آثــــــــــــار الصلح .
 المطلب الأول : الآثار المترتبة عن الصلح .
 المطلب الثاني : انقضاء الصلح.
 المبحــــــث الرابع : الصلح في المواد المدنية والمصالحة في المواد الجزائية.
 المطلب الأول : الأسس القانونية للمصالحة في المواد الجزائية .
 المطلب الثاني: المقارنة بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية.

الفصل الثاني : الصلح في المواد المدنية .

 المـبـحث الأول : الصلح في قانون الأســــرة.
 المطلب الأول : مفهوم الصلح و شروطه .
 المطلب الثاني : إجراءات الصلح وأثاره .

 المـبـحث الثاني : الصلح في قانون العـــــــمل.
 المطلب الأول : التسوية الودية للمنازعات الفردية .
 المطلب الثاني : الصلح في منازعات العمل الجماعية .
 المـبـحث الثالث : الصلح في المـنازعات الإداريـة.
 المطلب الأول : الأساس القانوني للصلح في المنازعات الإدارية .
 المطلب الثاني : إجراءات محاولــــــة الصلح .
 المطلب الثالث : الآثار المترتبة عن محاولة الصلح .
 المـبـحث الرابع : الصلح في القانون التجـــــــاري .
 المطلب الأول : شروط الصلح .
 المطلب الثاني : آثار الصلح .
 المطلب الثالث : انقضاء الصلح .

الفصل الثالث : الصلح في المواد الجزائية .

 المبحث الأول : المصالحة في قانون الجمارك .
 المطلـب الأول : شروط المصالـحة .
 المطلـب الثاني : آثـار المصالـحة .
 المبحث الثاني : المصالحة في قانون الصــرف .
 المطلـب الأول : شروط المصالـحة .
 المطلـب الثاني : آثـار المصالـحة .
 المبحث الثالث : المصالحة في قانون المنافسة والأسعـار .
 المطلـب الأول : شروط المصالـحة .
 المطلـب الثاني : آثـار المصالـحة .
 المبحث الرابع : المصالحة في المخالفــات التنظيــميــــة .
 المطلـب الأول : شروط المصالـحة .
 المطلـب الثاني : آثـار المصالـحة .
قرارات المحكمة العليا


ملف رقم : 96688 , قرار بتاريخ : 18/01/1994 .
قضية ( م,ح ) ضد ( ع , خ ) , إجراء الصلح .

الحكم بالتطليق للضرر ولعدم الإنفاق – إلزام الزوج بدفع تعويضات وأوامر بالنفاذ المعجل فيما يخص النفقة – طعن بالنقض – كون أن الحكم بالطلاق قد صدر دون إجراء محاولة الصلح المنصوص عليها في المادة 49 من قانون الأسرة – نقض .
إن الحكم بفك الرابطة الزوجية , لا يصدر إلا بعد اتخاذ إجراءات الصلح بين الزوجين عملا بأحكام المادة 49 من قانون الأسرة .
= نشرة القضاة العدد 50 =


ملف رقم : 103637 قرار بتاريخ : 19/04/1994 .
قضية ( ق , أ ) ضد( ح , ن )
طلاق بالتراضي – صلح – عدم جواز استئنافه .
المادتان ( 459 و 462 قانون مدني ) .
من المقرر قانونا أن الصلح عقد ينهى به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا , وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التبادل عن حقه .
من المقرر أيضا : أنه ( ينهي الصلح النزاعات التي يتناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق والادعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية ) .
ومتى تبين – في قضية الحال - أن قضاة المجلس لما قبلوا إستئناف الحكم القاضي بالصلح المقام بين الطرفين والذي شهدت عليه المحكمة أخطؤو في تطبيق القانون , لأن الإستئناف لا يرفع إلا ضد الأحكام التي صدرت إثر نزاع بين الأطراف بخلاف الصلح الذي يبرم بين الأطراف الذين جعلوا حدا للنزاع وان دور المحكمة ينحصر في مراقبة صحة وسلامة هذا الصلح لأن الصلح عقد ينهي به الأطراف نزاعا قائما , طبقا لأحكام المادتين 459 و 462 من القانون المدني , ومتى كان كذلك إستوجب نقض القرار المطعون فيه .
= الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية عدد خاص 2001 =






ملف رقم : 71801 , قرار بتاريخ : 21/05/1991 .
قضية : ( ح , ص ) ضد ( د , ب ) .
عودة الولد المكفول – لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية – سماع رأي الولد المميز – إجراء جوهري يجب إحترامه قبل الحكم –
- المادة 461 من القانون المدني , والمادة 124 من قانون الأسرة -

من المقرر قانونا أن المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية والنظام العام لا يجوز الصلح بشأنها إلا بنص خاص .
ومن ثم فإن قضاة الموضوع بإعتمادهم على وثيقة الصلح في إسناد كفالة البنت من دون سماع رأيها وتخييرها بين البقاء عند – مربيها أو الذهاب لوالدها – رغم أنه تجاوزت سن التمييز , فإنهم بذلك خرقو القانون وأستحق قرارهم النقض .
= المجلة القضائية العدد الأول 1996 =



ملف رقم : 200198 , قرار بتاريخ :21/07/1998 .
قضية : ( ع , م ) ضد (ر , أ ) .
تطبيق محاولة الصلح .
أحوال شخصية .

الحكم نهائيا بالطلاق – طعن بالنقض – لعدم إجراء محاولة الصلح بين الطرفين وصدور الحكم بلفظ الطلاق رغم أن المرأة ( الزوجة ) هي التي طلبت فك الرابطة الزوجية , رفض .
إن محاولة الصلح بين الطرفين في دعاوى الطلاق ليست من الإجراءات الجوهرية و أن لفظ الطلاق أو التطليق تصدر دائما نهائية .

= نشرة القضاة العدد 56 =





ملف رقم : 57812, قرار بتاريخ : 25/12/1989 .
قضية : ( ب ف ) ضد ( أ م ع ) .
طلاق – عدم القيام بالإجراءات السابقة له – خطأ في تطبيق القانون .
( المادة 49 , 55 , 56 من قانون الأسرة )
من المقرر قانونا انه لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي وعند نشوز أحد الزوجين يحكم القاضي بالطلاق وإذا إشتد الخصام بين الزوجين وعجزت الزوجة عن إثبات الضرر وجب تعيين حكمين للتوفيق بينهما من ثم فإن القضاء بخلاف هذا المبدأ يعد خطأ في تطبيق القانون ولما كان ثابتا في قضية الحال أن المجلس القضائي لما قضى بالطلاق دون مراعاة أحكام المواد التالية 49 ,55 , 56 من قانون الأسرة يعد بقضائه كما فعل خالف القانون وتجاوز اختصاصه , ومتى كان كذلك إستوجب نقض القرار المطعون فيه .

ملف رقم 174132 قرار بتاريخ 23/10/1997 .
قضية (ح أ ) ضد ( ف ز )
الحكم بالتطليق – طعن – لعدم تمكين الزوج من حضور جلسة الصلح – رفض الطعن .
( أحوال شخصية )
أن عدم حضور أحد الطرفين لجلسة الصلح رغم تأجيل إجرائها عدة مرات يجعل القاضي ملزما بالفصل في الدعوى رغم عدم حضور أحدهما لأن المادة 49 من قانون الأسرة تحدد مهلة إجراء الصلح بثلاثة أشهر .


ملف رقم 75141 قرار بتاريخ 18/06/1991
قضية ( ع ل ) ضد ( ج خ )
طلاق – الحكم به دون إجراء محاولة الصلح – خطأ في تطبيق القانون
( المادة 49 من قانون الأسرة )
من المقرر قانونا أنه لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي ومن ثم فإن القضاء وبما يخالف هذا المبدأ يعد خطأ في تطبيق القانون . ولما كان من ثابت – في قضية الحال – إن قضاة الموضوع الذين قضوا بالطلاق بين الزوجين دون القيام بإجراء محاولة الصلح بين الطرفين يكونوا قد أخطأوا في تطبيق القانون ومتى كان ذلك إستوجب نقض القرار المطعون فيه .
الـخـاتمـة
جــاء في كلـمة القـاضي الأول في البـلاد , رئـيس الجمـهورية , بمـــناسبة إفـتتاحه للســنة القــضائية 2002/2003 قولــه :﴿... فــعلى القــاضي أن يكون واعيا و مدركا لمسئوليته , ويمكــنكم بترجــيح الصـلح على المقـاضاة أن تخفـفوا من اكتظاظ المـحاكم و تيســـروا حـياة المواطنــين الذين يلجــؤون إليكم ... ﴾ . فما أحوجـنا إلى الصـلح و خاصة في هذا الظرف بالـذات , إنـه الصــلح بأبعاده الأخلاقية والاجتماعية و الإقتصادية , و مـــا يهـــمنا هــنا هـو الصـلح كآلية فــعالة وأســلوب متمــيز لإنهاء النـــزاعات أيــا كــان طابــعها , فــقد رأينا أن المــشرع أجــازه في المواد المدنية بنص المادة 17 من قانون الإجراءات المدنية كأصـل عــام , و جعـــله إستــثناءا و في حــــالات خــاصة جـــدا في المــواد الجـــزائية بنــص المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية .
إلا أنه يتجلى لنا بوضوح من خلال دراستنا لموضوع الصلح في مختلف القوانين الجزائرية و هذا انطلاقا من تكييفه القانوني إذ هو عقد , و انتهاءا به كإجراء يتم أمام الجهات القضائية أو خارجها , و هذا سواء في المنازعات ذات الطابع المدني أو الجزائي , أنه لم يحقق الأهداف المرجوة و لا الغاية المقصودة منه , و لعل السبب الأول الذي وصلنا إليه هي هذه النصوص القانونية الجامدة التي عالجت الصلح بأحكام غير فعالة تفتقر للديناميكية و أضحت نصوصا بلا روح فكانت النتيجة أن فشل القضاء و الجهات المنوط بها القيام بهذا الإجراء الفشل الذريع .
وعليه فانه بالنظر إلى الدور المهم الذي يلعبه الصلح في تقليص المنازعات المطروحة على القضاء كان على المشرع أن يجعله إجباري في المواد المدنية وهذا قبل رفع أي دعوى قضائية و ذلك بدءا بتعديله لنص المادة 17 من قانون الإجراءات المدنية , فعدم نجاح الصلح على مستوى الجهات القضائية ليس مرده عدم نجاعة هذا الأسلوب بل إن فتور إرادة المشرع أو حتى ربما عزوفه عنه في الكثير من الحالات و كذا غياب النية الحقيقية لترسيخه هي إرهاصات تقف وراء عدم فعالية النصوص القانونية التي تناولت الصلح , و نعتقد أن تفعيلها و إثرائها بالشكل الكافي سيبعث فيها الروح , وعندها سنجد القاضي يتحرك بفاعلية لتحقيق الأهداف المبتغاة من الصلح من خلال نصوص قانونية حية وفعالة .
و أما في المواد الجزائية , فالصلح أو المصالحة كأسلوب استثنائي مطبق في حدود ضيقة فقد رأينا أنه يثير الكثير من الجدل و الإشكاليات , و ربما مرد ذلك , أولا إلى تكييفها القانوني , فالطابع التعاقدي للمصالحة الجزائية لا يحي يعني بالضرورة أنها عقد فأوجه الخلاف بين المصالحة في المسائل الجزائية و الصلح المدني أقوى من أوجه الشبه بينهما فهي بالدرجة الأولى إجراء ثم إنها اقرب ما تكون إلى الجزاء الإداري أو قل إنها ذات طبيعة خاصة , و ثانيا لاصطدامها بمبدأ راسخ في القانون الجنائي , وهو عدم قابلية الدعوى العمومية للتنازل عنها .
و لكن ما لمسناه أمام الجهات القضائية من تراكم في الملفات , و بطئ الفصل في الدعاوى , و ما يترب عن ذلك من فقدان العقوبة لوظيفتها كأداة للردع العام و الخاص يدفعنا بالدعوى إلى التوسيع في هذا الاستثناء و الذهاب إلى انتهاج الصلح في مجالات أرحب و في حالات أكثر , ما دام أن الصلح ليس خطرا على المجتمع , بل إن قيمنا الروحية و تقاليد مجتمعنا المتجذرة عبر العصور تجعلنا لا نمانع في انتهاج هذا السبيل و العمل على إيجاد آليات فعالة لضمان نجاعته .
وعلى كل فلا معنى للصلح سواء في الجانب المدني أو الجزائي إذا لم توضع له ضوابط تحكمه و تهيئه الأرضية الخصبة .
و عليه فمن دراستنا السابقة لموضوع الصلح و الوقوف على أهم إشكالا ته , ومن خلال التربص الذي أجريناه , تمكنا من الخروج بجملة من الاقتراحات والملاحظات العملية التي أردنا أن نثري بها هذا الموضوع , وهي تتلخص في النقاط التالية :
 ضرورة إحترام القضاة للوصف القانوني للأحكام التي تتناول الإشهاد بالصلح , وذلك بجعلها نهائية لكون أن الصلح ينهي النزاع بصفة نهائية طبقا لنص المادة 462 من القانون المدني , وهذا عكس ما وجدناه عمليا , حيث تصدر الأحكام بصفة ابتدائية .
 جعل الصلح إجباري في كل القضايا المدنية , كإجراء جوهري لكون أن تركه جوازي جعل القضاة قليلا ما يلجؤون إليه .
 توسيع نطاق المصالحة في الجانب الجزائي لتشمل مجالات متعددة وحالات أكثر , والخروج من محدوديته من حيث الشروط والآثار .
 إجراء دورات تكوينية وأيام دراسية ترمي إلى ترسيخ الصلح كثقافة وقيمة إجتماعية و روحية و كأسلوب مميز لإنهاء النزاعات, يستحق كل العناية والإهتمام .
 العمل على إيجاد قضاة متخصصين في هذا المجال , و لما لا يكون قضاء أو فرع خاص بالصلح القضائي على غرار ما هو موجود في العديد من الدول .
 تفعيل دور القاضي لإنجاح جلسات الصلح , و كذا الإهتمام بجلسات الصلح الواقعة خارج جهاز القضاء من خلال تفعيل دور مكاتب و لجان المصالحة و تدعيم القائمين عليها بتربصات ميدانية .
 توسيع الصلح خارج مجال ساحة القضاء و ذلك بإيجاد جهات غير قضائية تسعى إلى إجراء الصلح بشكل إجباري قبل اللجوء إلى القضاء , حيث أن الملاحظ من الناحية العملية أن حالات الصلح الواقعة خارج دائرة القضاء أكثر نجاحا من الصلح القضائي .
و على كل فهذا الموضوع اليوم أصبح مطلب ملح و أكثر من ضرورة , فبعد أن غفل عنه المجتمع ها هو اليوم يعود إليه بقوة , و يحتاج إلى دراسات معمقة و متخصصة و إلى وقفات ميدانية , و إن كل ما أردناه هو أن نلقي نظرة شاملة على أغلب القوانين التي تناولت أحكامها هذا الإجراء , و حسبنا أننا وضعنا الخطوط العريضة و الأحكام العامة للصلح , على أن نجد في المستقبل فضاءات أخرى تتناول جزئياته و دقائقه بالتفصيل و الإثراء , و تقف عند كل إشكاليا ته بالتحليل و المعالجة , عسى أن نصل إلى منظومة قانونية وقضائية متكاملة في ميدان الصلح , لتنظم و تحكم مجتمعا متسامحا ومتشبعا في قيمه وثقافته بمبادئ وأحكام وأبعاد الصلح .






المـــراجـــع

أولا : الـكـتـب .

1) الاختيار لتعليل المختار للموصلي , الجزء الثاني .
2) د: محمود زناتى : نظم القانون الروماني . 
3) د :أحسن بوسقيعة , المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام وفي المادة الجمركية بوجه خاص , الطبعة الأولى, الديوان الوطني للأشغال التربوية,2001 .
4) د: إبراهيم أحمد زكي بدوي:القاموس القانوني,فرنسي- عربي, مكتبة لبنان .
5) د: عبد الرزاق السنهوري , الوسيط في شرح القانون المدني , الجزء الخامس , دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان - .
6) الأستاذ : عمر زودة , طبيعة الأحكام بإنهاء الرابطة الزوجية وأثر الطعن فيها
7) الإمام أبي عبد الله بن احمد الأنصري القرطبي , الجامع لأحكام القرآن , المجلد الثالث , الجزء الخامس , دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع , بيروت1995 .
8) د : بلحاج العربي , شرح قانون الأسرة الجزائري ,الزواج والطلاق , الجزء الأول , ديوان المطبوعات الجامعية , ص: 357 .
9) الأستاذ : فضيل سعد , شرح قانون الأسرة الجزائري في الزواج الطلاق .
10) الأستاذ: أحمية سليمان ,آليات تسوية منازعات العمل والضمان الاجتماعي في القانون الجزائري , ديوان المطبوعات الجامعية 1998 .
11) الأستاذ : رشيد واضح , منازعات العمل الفردية والجماعية في ظل الإصلاحات الإقتصادية في الجزائر , دار هومة ,الطبعة :2003 .
12) الأستاذ :سعيد طربيت , سلطة المستخدم في تسريح العمال تأديبيا , ديوان المطبوعات الجامعية ,طبعة : 2001 .
13) راشد راشد – الأوراق التجارية , الإفلاس والتسوية القضائية في القانون التجاري الجزائري – طبعة ثانية 1994 .
14) الدكتور مصطفى كمال طه – القانون التجاري – الدار الجامعية بيروت –
15) أنظر الأستاذ : شوقي الشلقاني – مبادئ الإجراءات الجزائية في التشريع الجزائري , الجزء الثاني- الطبعة الثالثة 2003 .





ثانيا : الــمـجـلات .

1) المجلة القضائية , العدد الأول , سنة 1990 .
2) المجلة القضائية , العدد الأول , سنة 1995 .
3) المجلة القضائية , العدد الثاني , سنة 1995 .
4) المجلة القضائية , العدد الأول , سنة 1996 .
5) المجلة القضائية , العدد الثاني , سنة 2000 .
6) المجلة القضائية العدد الخاص غرفة الأحوال الشخصية , سنة 2001
7) ملتقى قضاة الغرف الإدارية – وزارة العدل – 1992 .
8) نشرة القضاة , العدد 56 .
9) نشرة القضاة , العدد 50 .

ثالثا : المـذكـرات .

1) الصلح في المنازعات المدنية والإدارية , مذكرة من إعداد الطالبة القاضي : لشهب نسيمة , الدفعة الحادية عشر -2000 / 2003 - المعهد الوطني للقضاء.
2) الصلح في المنازعات الإدارية , بحث للحصول على شهادة ماجستير في القانون , فرع الإدارة والمالية , من إعداد الطالب فضيل العيش , جامعة الجزائر, 2001/2002 ,
3) جلسة الصلح والتحكيم بين الزوجين , مذكرة نهاية التخرج لنيل شهادة ليسانس في العلوم القانونية والإدارية , من إعداد الطالبتين : بلعباس نوال , بوعلاقة أسماء , جامعة البليدة , 2002/2003 .





الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

وزارة الــعـــــدل
المـدرسة العليـا للقضاء


مذكــرة لنيـل إجـازة المدرسة العليا للقــضاء
بعنــوان












من إعداد الطلبة القضاة : تحت إشراف الأستاذ :

- محسني محـمــد - بوغـرارة سمير
- بوطرفة عبد الرزاق - عـباد غــوار
- بابا مولـود مـحمد - عز الدين برينيس


الدفـعـة 13
2002 - 2005







الفصل الأول : الأحكام العامة للصلح

وضع التقنين المدني أحكام عامة عن الصلح من حيث أنه عقد ينحسم به النزاع القائم او المحتمل وقوعه ضمن الفصل الخامس تحت الباب السابع بعنوان العقود المتعلقة بالملكية وهذا ليس لأنه ينقل الملكية مثل البيع , بل لأن الصلح عقد يكشف عن الحقوق ولا ينقلها فهو يتضمن نزولا عنها فرتب القانون المدني نصوصه من المادة 459 إلىالمادة 466 وقسمها إلى ثلاثة اقسام وعرض في القسم الآول أركان الصلح وفي القسم الثاني آثار الصلح والقسم الثالث بطلان الصلح .

وما نسير عليه في فصلنا هذا هو أن نبين الأحكام العامة لعقد الصلح وهذا كعقد من عقود التراضى الملزم للجانبين وهذا حسب ما جاء في القانون المدنى وهي الأحكام التى تحكم الصلح بصفة عامة وهذا كعقد ينهى النزاع سواء في المواد المدنية أو الجزائية ,على أن نتناول الصلح كإجراء في المواد المدنية والجزائية في الفصلين اللاحقين ونسير في هذا الفصل الى معالجة الصلح ضمن أربعة مباحث :





 المبحــــــث الأول : مـــــــاهية الصلح .
 المبحــــــث الثاني : أركــــــــان الصلح .
 المبحــــــث الثالث : آثــــــــــــار الصلح .
 المبحــــــث الرابع : الصلح في المواد المدنية والمصالحة في المواد الجزائية .




المبحث الأول : ماهية الصلح .

نتناول في هذا المبحث ضمن مطلبين إلى تعريف الصلح وشروطه في المطلب الأول , وفي المطلب الثاني إلى تميزه عن الأعمال القانونية المشابهة له .

المطلب الاول : تعريف الصلح وشروطه .

الفرع الأول : تعريف الصلح .

أ- الصلح في اللغة : هو إنهاء الخصومة فنقول صالحه وصلاحا إذا صالحه وصافاه , ونقول صالحه على الشيء أي سلك معه مسلك المسالمة في الإتفاق وصلح الشيء إذا زال عنه الفساد .
ب- الصلح لدى فقهاء الشريعة الاسلامية :
1- في الفقه الحنفي : هو عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم وهما منشأ الفساد والفتن .
2- في الفقه المالكى :هو إنتقال حق أو دعوى لرفع نزاع أو خوف وقوعه .
3- في الفقه الشافعي :هو الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين .
4- في الفقه الحنبلي : هو معاقدة يتوصل بهاإلى موافقة بين مختلفين .
ج- الصلح لدى فقهاء القانون : عرفه الدكتور محمود سلامة زناتي بأنه إتفاق حول حق متنازع فيه بين شخصين بمقتضاه يتنازل أحدهما عن إدعائه مقابل تنازل الأخرعن إدعائه أو مقابل أداء شيء ما .
وعرفته الأستاذة إبتسام القرام في مؤلفها المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري بأن الصلح (المصالح) : "عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو محتملا وذلك من خلال التنازل المتبادل ".
أما الدكتور بوسقيعة أحسن فيرى أنه يمكن تعريف المصالحة أو الصلح بوجه عام ,بأنها تسوية لنزاع بطريقة ودية .
د- الصلح في التشريع الجزائري : لقد عرف المشرع الجزائري الصلح في المادة 459 من القانون المدني : " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا وذلك بأن يتنازل كل طرف منهما على وجه التبادل عن حقه " .

ويختلف مفهوم الصلح في المجال المدني من فرع إلى آخر وكذا في المجال الجزائي , غير أن كل التعاريف تشترك في كون الصلح طريقة ودية لإنهاء النزاع وويختلف بإعتباره كعقد أو كإجراء ,فإن كانت المفاهيم السابقة تعرفه كعقد فإنه بالنظر إليه كإجراء أو كما يسمى بالصلح القضائي فقد عرف كالآتي :"هو الإجراءات التى تفرضها بعض القوانين على المتخاصمين لإلزامهم للحضور امام القاضي ومحاولة تقريب وجهات نظرهم بعد إقامة الدعوى وخصوصا في مسائل الطلاق والفراق " .

الفرع الثاني : شروط الصلح .

نص المشرع الجزائري على الشروط الواجب توفرها حتى نكون أمام صلح ,وبالإطلاع على أحكام المواد 459 ,460,461,من القانون المدني نجدها تتضمن شروط عامة يمكن تطبيقها على الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو الجزائية نتناولها بإختصار في هذا الفصل على أن نقف إلى الشروط الخاصة بالصلح في المواد المدنية أو الجزائية في الفصلين الموالييين .
فقد نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه : " يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح ", كما نصت المادة 461 على أنه : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنزاع العام ولكن يجوز الصلح على المصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية " .
ومن نص المادة 459 من القانون المدني نخلص إلى أن للصلح مقومات ثلاثة وهي بمثابة شروط أساسية لكي يكون الصلح صحيحا وتتمثل في :

01 - وجود نزاع قائم أو محتمل .
02 - نية إ نهاء النزاع .
03 - النزول المتبادل عن الإدعاءات .






أولا = وجود نزاع قائم أو محتمل :
إذا لم يكن هناك نزاع قائم أوفي القليل نزاع محتمل , لم يكن العقد صلحا ,فإما أن تكون المطالبة القضائية قائمة ومحاولة الصلح يكون كإجراء أثناء سير الخصومة أو قد يكون مجرد مصالح متعارضة مع إمكانية المطالبة القضائية أي مجرد إحتمال النزاع يكفي .
فإذا كان هناك نزاع قائم مطروح أمام القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائيا ( JUDICIAIRE ) , وإذا كان النزاع محتملا بين الطرفين فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحا غير قضائيا ( EXTRA JUDICIAIRE ) , فالمهم أن يكون هناك نزاع جدي قائم أومحتمل ولو كان أحد الطرفين هو المحق دون الآخروكان حقه واضحا مادام هو غير متأكد من حقه ,فالمعيار هومعيار ذاتي محض والعبرة بما يقوم في ذهن كل من الطرفين لا بوضوح الحق في ذاته .

ثانيا = نية إنهاء النزاع .
أي أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما ,إما بإنهائه إذا كان قائما أو بتوقيه إذا كان محتملا , وليس من الضروري أن ينهي الصلح جميع المسائل المتنازع فيها فقد ينهي بعضها لتبت المحكمة في الباقي , كما يجوز للطرفين أن يتصالحا لإنهاء النزاع ويتفقان على أن يستصدرا حكما من المحكمة بما يتصالحا عليه فيكون هذا صلحا بالرغم من صدور الحكم .

ثالثا= النزول المتبادل عن الإدعاءات .
فإذالم ينزل أحدهما عن شيئ مما يزعمه وترك الطرف الأخر كل ما يدعيه , فلا نكون بصدد الصلح بل مجرد نزول عن الإدعاءات , إذ يجب أن يكون التنازل على وجه التقابل وعن جزء من الإدعاءات وليس من الضروري أن تكون التضحية من الجانبين متعادلة كما لايشترط أن يكون التنازل على جزء من أصل الحق فقد يكون حتى على المصاريف القضائية أو جزء منها فيكون صلحا مهما كانت تضحية الطرف الأخر قليلة بالنسبة إلى تضحية الطرف الأول .





المطلب الثاني : تمييز الصلح عن الأعمال القانونية المشابهة له .

قد يشتبه بالصلح عدة أنظمة مماثلة له لكونها تهدف إلى إنهاء النزاعات والخصومات ونحاول في هذا المطلب إبراز أهم الفروقات بينها .

1 - التحكيم: فالتحكيم يختلف عن الصلح إختلافا بينا , ففيه يتفق الطرفان على محكمين يبتون في نزاعهم أما في الصلح فأطراف الخصومة هم الذين يبتون في نزاعهم والتحكيم لايقتضي تضحية من الجانبين وإجراءات التحكيم وقواعده نظمها قانون الإجراءات المدنية في المواد من 442 إلى 458 مكرر 28 , كما نص عليه أيضا في مجال منازعات العمل الجماعية في قانون 90-02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب المعدل والمتمم , وهذا في المواد من 49 إلى 52 .
2 - الوساطة : وهي إحتكام أطراف النزاع إلى شخص محايد لاعلاقة له بهما الذي تكون له السلطة التقريرية في إيجاد الحل الذي يكون في شكل إقتراحات أو توصيات قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ بها, فالوسيط هنا يعين بالإرادة المشتركة لطرفي النزاع بينما لا يعين المصالح من قبل المتنازعين في منازعات العمل الفردية إذ تتم المصالحة في مكتب المصالحة وهنا تكون إجبارية في حين الوساطة إختيارية .
3 - التسليم بالحق وترك الإدعاء : يتضمنان تضحية من جانب واحد هو الجانب الذي سلم بحق الخصم أو ترك الإدعاء , أما في الصلح فهناك تضحية من الجانبين .
4 - إجازة العقد القابل للإبطال: فالإجازة تتضمن نزولا محضا عن الحق في إبطال العقد , والصلح كذلك يختلف هنا عن الإبراء في أن هذا الأخير هو نزول كامل عن الحق من أحد الجانبين , أما الصلح فنزول جزئي من كل من الجانبين وإن كان كل منهما يحسم النزاع .
والقاضي هو الذي يكيف الإتفاق بأنه صلح أو بأنه عقد آخر وفقا لعناصر الصلح التي قدمناها , ولا يتقيد في ذلك بتكييف الخصوم ... ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقض أما مدى توافر العناصر جميعا ليكون العقد صلحا فهذه مسألة قانون .... تخضع لرقابة محكمة النقض .






المبحث الثاني : أركان الصلح.

لكون أن الصلح هو عقد من عقود التراضي إذ لا يشترط في تكوينه شكل خاص , بل يكفي فيه توافق الإيجاب والقبول ليتم , وما الكتابة فيه إلا للإثبات لا للإنعقاد وهو بهذا كسائر العقود له أركان ثلاثة هي التراضي والمحل والسبب نتناولها تباعا في مطلبين :
المطلب الأول : التراضي في عقد الصلـــح .
المطلب الـثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .

المطلب الأول : التراضي في عقد الصلح .
للتراضي شروط صحة وشروط إنعقاد نتناولها في الفرعين التاليين :

الفرع الأول : شروط الإنعقاد في التراضي .
عقد الصلح من عقود التراضي , فيكفي لإنعقاده توافق الإيجاب والقبول من المتصالحين , وتسري على إنعقاد الصلح بتوافق الإيجاب والقبول القواعد العامة في نظرية العقد, من ذلك طرق التعبير عن الإرادة والوقت الذي ينتج فيه هذا التعبير وأثره وموت من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقده لأهليته , والتعاقد مابين الغائبين , وغير ذلك من الأحكام العامة ولابد من وكالة خاصة في الصلح , فلا يجوز للمحامي أن يصالح على حقوق موكله مالم يكن الصلح منصوص عليه في عقد التوكيل , ويعتبر الصلح قضائي إذا وقع بين الخصوم في دعوى مرفوعة بينهم أمام القضاء ,وتصادق عليه المحكمة ,والحكم الصادر بالتصديق على محضر الصلح يعد بمثابة ورقة رسمية ولكنه لايعتبر حكما , فهو عقد تم بين المتخاصمين , وهذا بخلاف الحكم الإتفاقي الذي يعمد فيه الخصمان أثناء نظر الدعوى إلى الإتفاق على حسم النزاع , وهو بهذا يعتبر حكم قضائي .
ولكون أن الصلح يتضمن عادة شروطا وإتفاقات معقدة إذ هي ثمرة المساومات والأخذ والرد فإنه لايثبت إلا بالكتابة أو بمحضر رسمي , وهي غير ضرورية للإنعقاد لأن الصلح من عقود التراضي ,وإذا لم توجد الكتابة للإثبات جاز إثباته بالإقرار وباليمين ويجوز إستجواب الخصم لإحتمال أن يقر الصلح , وكذلك يجوز إثباته بالبينة والقرائن .


الفرع الثاني : شروط الصحة في التراضي .
يجب أن يتوافر في عقد الصلح الأهلية في المتصالحين وخلو إرادة كل منهما من العيوب .
أولا = الأهلية في عقد الصلح :
نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه :" يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح " .
فالأهلية الواجب توافرها في كل من المتصالحين هي أهلية التصرف بعوض في الحقوق التي تصالح عليها , لأن كلا منهما ينزل عن جزء من إدعائه في نظير نزول الأخر عن جزء مقابل والنزول بمقابل عن حق مدعى به هو تصرف بعوض , فإذا بلغ الإنسان الراشد ولم يحجر عليه كانت له أهلية كاملة في الصلح على جميع الحقوق , والصبي المميز ليست له في الأصل أهلية التصرف في أمواله فلا يملك الصلح على الحقوق , ويجوز لوليه إذا كان هو الأب ان يصالح على حقوقه , ولكن يجب عليه الحصول على إذن المحكمة إذا كان محل الصلح عقارا أو محلا تجاريا أو أوراقا مالية ,وتسري هنا نفس الأحكام على المحجور عليه و أما الصبي غير المميز فلا يملك الصلح كما لايملك التعاقد بتاتا لإنعدام إرادته .

ثانيا = عيوب الرضا في عقد الصلح
يجب أن يكون الرضا خاليا من العيوب , وهذا بأن لايكون مشوبا بغلط أو بتدليس أو بإكراه أو بإستغلال , شأن الصلح في ذلك شأن سائر العقود , فإذا شاب الرضا إكراه جاز أيضا إبطال الصلح وفقا للقواعد العامة المقررة في الإكراه , وقد يشوب الصلح إستغلال فنتبع القواعد المقررة في الإستغلال .
أما عن الغلط فله أهمية خاصة في عقد الصلح , إذ نصت المادة 465 من القانون المدني على أنه : " لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون " .
وهذا النص إستثناء صريح من القواعد العامة , والسبب في ذلك أن المتصالحين كانا وهما في معرض المناقشة في حقوقهما يستطعان التثبت من حكم القانون فيما قام بينهما من نزاع على هذه الحقوق , بل المفروض أنهما تثبتا من هذا الأمر , فلا يسمع من أحد منهما بعد ذلك أنه غلط في فهم القانون , وهذا تحليل تقليدي يتردد كثيرا في الفقه الفرنسي ,وينتقده الفقه الحديث , ويرى الدكتور عبد الرزاق السنهوري أن أقوى تحليل هو أن المتصالحين مادما على بينة من الوقائع ولم يقعا في غلط فهما إنما يتصلحان على حكم


القانون في النزاع الذي بينهما , وسواء علما حكم القانون في هذا النزاع أو لم يعلماه فهما قد قبلا حسم النزاع بينهما على الوجه الذي إتفقا عليه مهما كان حكم القانون فجعل بذلك المشرع الغلط في القانون ليس بالغلط الجوهري في عقد الصلح , أما الغلط في الوقائع في عقد الصلح فيخضع للقواعد العامة ويكون سببا لإبطال الصلح إذا كان جوهريا أي بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام الصلح لو لم يقع في هذا الغلط .

المطلب الثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .

الفرع الأول : المحل في في عقد الصلح .

محل عقد الصلح هو الحق المتنازع فيه , ونزول كل من الطرفين عن جزء مما يدعيه في هذا الحق في مقابل مال يؤديه للطرف الآخر , فيكون هذا المال هو بدل الصلح , فيدخل بدل الصلح ليكون هو أيضا محل الصلح , وأيا كان محل الصلح فإنه يجب أن تتوافر فيه الشروط التي يجب توافرها في المحل بوجه عام , فيجب أن يكون موجودا , ممكنا , معينا أو قابلا للتعيين ويجب بوجه خاص أن يكون مشروعا فلا يجوز أن يكون مخالفا للنظام العام , وتنص المادة 461 من القانون المدني في هذا الصدد على ما يأتي : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام ولكن يجوز الصلح علىالمصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية " .

01 = بطلان الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية والأهلية :
فالحالة الشخصية للإنسان وكذا الأهلية من النظام العام فليس لأحد بإتفاق خاص أن يعدل من أحكامها وقد نصت المادة 45 من القانون المدني على أنه : " ليس لأحد التنازل عن أهليته ولا لتغييرأحكامها " , فلا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالأهلية , مثل أن يتصالح شخص مع آخر على بنوّته منه بنفي أو بإثبات أو على صحة الزواج أو بطلانه , ومن كان غير أهل فلا يجوز له أن يصلح غيره على أنه أهل , ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التي تترتب عن الحالة الشخصية , مثل نزول المطلقة عن مؤخر صداقها وعن نفقة العدة.



02 = بطلان الصلح على الجريمة :
فإذا إرتكب شخص جريمة فلا يجوز له أن يصالح عليها لا مع النيابة ولا مع المجني عليه , وهذا كأصل عام مع وجود بعض الإستثناءات سنبينها في حينها , وهذا لأن الدعوى الجنائية من حق المجتمع وهي من النظام العام فلا يجوز الصلح عليها ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التى تنشأ من إرتكاب الجريمة , فيجوز الصلح على حق التعويض المدني .
03 = بطلان الصلح في مسائل أخرى من النظا م العام :
فلا يجوز الصلح على الضرائب والرسوم المستحقة إذا كان الحق في تحصيلها بصفة نهائية وليست محلا للنزاع ,وإنما يجوز الإتفاق على تقسيطها , ولايجوز الصلح على أحكام القانون المتعلق بإصابات العمل , ولا على الأموال العامة للدولة , فهذه تخرج عن التعامل , ولا يجوز الصلح على بطلان التصرفات الراجع إلى النظام العام مثل التصالح على دين قمار أو دين سسببه مخالف للآداب .

الفرع الثاني : السبب في عقد الصلح .

 هناك السبب بالمعنى التقليدي :
فالسبب بالمعنى التقليدي في عقد الصلح هو الغرض المباشر الذي من أجله إلتزم المدين , فيكون سبب إلتزام كل متصالح هو نزول المتصالح الآخر عن جزء من إدعائه وعلى هذا الوجه يختلط السبب بالمحل إختلاطا تاما .
وهناك من الفقهاء يجعل السبب في عقد الصلح هو حسم نزاع قائم أو محتمل , فإذا لم يكن هناك نزاع , أو كان النزاع قد حسمه حكم نهائي , فالصلح يكون باطلا لإنعدام السبب , ويرى الأستاذ السنهوري بأن وجود نزاع بين المتصالحين هو من مقومات الصلح وليس سببا له , ومن ثم يكون النزاع محلا لعقد الصلح لا سببا له .
 وهناك السبب بالمعنى الحديث :
وهو الذي تقول به النظرية الحديثة , والمتمثل في الباعث الدافع للمتصالحين على إبرام الصلح , فهناك من يدفعه إلى الصلح خشيته أن يخسر دعواه أو عزوفه عن التقاضي أو خوفه من العلانية والتشهير , وقد يكون الدافع هو الإبقاء على صلة الرحم أو على صداقة قديمة ...وهذه البواعث مشروعة فالصلح الذي يكون سببه باعثا من هذه البواعث يكون مشروعا , أما إذا كان الدافع إليه سببا غير مشروع فإنه

يكون باطلا , مثل أن يصالح شخص آخر على نزاع متعلق بإيجار منزل حتى يتمكن من إدارته للدعارة أو للمقامرة , فهذه بواعث غير مشروعة ومتى كان الطرف الآخر على علم بها فإن الصلح يكون باطلا لعدم مشروعية السبب .

المبحث الثالث : أثار الصلح وإنقضائه .

نعالج هذا المبحث في مطلبين , الأول نتناول فيه الآثار المترتبة عن الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية, على أن نتطرق إلى الآثار الخاصة لكل نوع من المنازعات في حينه , ثم في مطلب ثاني كيفية إنقضاء الصلح .

المطلب الأول : الأثار المترتبة عن الصلح .
إن الهدف الأسمى للصلح هو إنهاء النزاع بين أطرافه , وذلك بتسويته بصورة ودية , والصلح في الأصل يكشف عن الحقوق ولا ينشؤها وأثره نسبي بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى السبب.

الفرع الأول = حسم النزاع .
إذا أبرم صلح بين طرفين فإن هذا الصلح يحسم النزاع بينهما عن طريق إنقضاء الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين , ويستطيع كل منهما أن يلزم الآخر بما تم عليه الصلح أو يطلب فسخ الصلح إذا لم يقم الطرف الآخر بما إلتزم به فنصت المادة 462 من القانون المدني على أنه : " ينهي الصلح النزاعات التي يتناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق والإدعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية " .
ومن خلال هذا النص نجد ان للصلح أثر إنقضاء وأثر تثبيت :
- فيكون إنقضاء : إذا تنازع شخصان على ملكية دار وأرض مثلا ثم تصالحا على ان تكون الدار لأحدهما والارض للآخر , فهذا الصلح عقد ملزم للجانبين يلزم من خلصت له الدار أن ينزل عن إدعائه في ملكية الأرض ,ويلزم من خلصت له الأرض أن ينزل عن إدعائه في ملكية الدار .




- ويكـون تثبيت : كما في المثال السابق حيث من خلصت له الدار قد تثبتت ملكيته فيها , إذنزل الطرف الأول عن إدعائه لهذه الملكية , ومن خلصت له الأرض قد ثبتت ملكيته فيها هو أيضا ,إذ نزل الطلرف الآخر عن إدعائه لملكيتها .
وإذا تم حسم النزاع بالصلح وهذا بان تنقضي الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين فإنه يثور التساؤل عن كيفية تفسير هذا التنازل ؟ ثم عن طرق إلزام كل طرف بما تم عليه الصلح ؟ وهذا مانتناوله فيما يلي :

أولا = تفسير التنازل تفسيرا ضيقا :
نصت المادة 464 من القانون المدني على أنه : " يجب أن تفسر عبارات التنازل التي يتضمنها الصلح تفسيرا ضيقا أيا كانت تلك العبارات فإن التنازل لايشمل إلا الحقوق التي كانت بصفة جلية محلا للنزاع الذي حسمه الصلح ".
والصلح شأنه شأن غيره من العقود يقوم فيه قاضي الموضوع بالتفسير , ولا يخضع لرقابة المحكمة العليا في التفسير مادام يستند إلى مبررات وأسباب , على أنه لما كان هناك نزول لكل من المتصالحين عن جزء من إدعائه , فإن هذا النزول المتبادل يجب أن :
 يفسر تفسيرا ضيقا : فإذا تصالح الشريك مع شركائه على ما يستحق من أرباح الشركة فإن هذا الصلح لا يشمل إلا ما إستحقه فعلا من أرباح , لا ماقد يستحقه في المستقبل .
 أن يكون اثر الصلح مقصورا على النزاع الذي تناوله : وهذا ما يعرف بالأثر النسبي للصلح فيما يتعلق بالمحل , أي دون ان يمتد إلي أي شيء آخر ,فالعقد يقتصر اثره على من كان طرفا فيه وعلى المحل الذي تناوله , فإذا تصالح وارث مع بقية الورثة على ميراث إقتصر الأثر على الميراث الذي تناوله الصلح ولا يتناول ميراثا آخر يشترك فيه أيضا بقية الورثة .
ثانيا = طرق الإلزام بالصلح .
فإذا أبرم الصلح بين طرفين إستطاع كل طرف أن يلزم الآخر بهذا الصلح فيمنعه من تجديد النزاع وهذا عن طريق :
 الدفع بالصلح : فإذا إنحسم النزاع بالصلح , لم يجز لأي من المتصالحين أن يجدد هذا النزاع, ويستطيع المتصالح الآخر أن يدفع بالصلح الدعوى المقامة او المطلوب المضي فيها أو المجددة .


 وضع شرط جزائي في العقد : يوقع على من يخل بإلتزامه بمقتضى عقد الصلح أو يرجع إلى النزاع الذي إنحسم , فنتبع في ذلك القواعد العامة المقررة في الشرط الجزائي وهذا كأن يكون مقررا للتأخر في تنفيذ الصلح أو كجزاء على الطعن فيه.
 فسخ العقد : فإذا أخل أحد المتصالحين بإلتزاماته في الصلح ,يجوز للآخر طلب فسخ العقد, لأن الصلح عقد ملزم للجانبين .

الفرع الثاني : الأثر الكاشف والأثر النسبي للصلح .
أولا = الأثر الكاشف للصلح :
تنص المادة 463 من القانون المدني على أنه : " للصلح اثر كاشف بالنسبة لما اشتمل عليه من الحقوق , ويقتصر هذا الأثر على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها ", يفهم من هذا النص أنه إذا اشتمل الصلح على حقوق غير متنازع فيها , وهو ما يسمى بدل الصلح كان الأثر ناقلا لا كاشفا .
- ومعنى ان للصلح أثرا كاشفا بالنسبة للحقوق المتنازع فيها أن الحق الذي يخلص للمتصالح بالصلح يستند إلى مصدره الأول لا إلى الصلح ,فإذا إشترى شخصان دارا في الشيوع , ثم تنازعا على نصيب كل منهما في الدار وتصالحا على أن يكون لكل منهما نصيب معين أعتبر كل منهما مالكا لهذا النصيب لا بعقد الصلح بل بعقد البيع الذي إشتريا به الدار في الشيوع و إستند بذلك حق كل منهما إلى مصدره الأول لا إلى الصلح , وتعلل النظرية التقليدية ذلك بأن الصلح هو إقرار من كل من المتصالحين لصاحبه , والإقرار إخبار لا إنشاء فهو يكشف عن الحق ولا ينشؤه , أما النظرية الحديثة تعلل ذلك بأن المتصالح إنما هو ينزل عن حق الدعوى في الجزء من الحق الذي سلم به , فهذا الجزء من الحق قد بقي على وصفه الأول دون أن يتغير.
ويترتب على الأثر الكاشف للصلح مايأتي :
 لايعتبر المتصالح متلقيا الحق المتنازع فيه من المتصالح الآخر ولا يكون خلفا له في هذا الحق .  لا يلتزم المتصالح الآخر بضمان الحق المتنازع فيه الذي خلص للمتصالح الأول , لأنه لم ينقل هذا الحق والإلتزام بالضمان لا يكون إلا مكملا للإلتزام بنقل الحق .
 لما كان الصلح غير ناقل للحق ,فإنه لا يصلح سببا صحيحا للتملك بالتقادم القصير .



إذا خلص عقار لأحد المتنازعين فيه بالصلح, فإن الصلح وهو كاشف عن الحق لا يفتح الباب للأخذ الشفعة .
كذلك إذا وقع الصلح على دين متنازع فيه في ذمة الغير , فلا تراعى هنا الإجراءات الواجبة في حوالة الحق .
- أما بالنسبة للحقوق غير المتنازع فيها فإن الصلح ينشأ إلتزامات أو ينقل حقوقا فيكون له أثر منشىء أو ناقل لا أثر كاشف, مثل أن يتنازع شخصان على أرض ومنزل فيتصالحا على أن يختص أحدهما بالأرض والآخر بالمنزل , فإذا كان المنزل قيمته أكبر من الأرض , واقتضى الأمر أن يدفع من إختص بالمنزل معدلا , مبلغا من النقود يلتزم بدفعها لمن إختص بالأرض , فهنا الصلح قد أنشأ إلتزاما في ذمة من إختص بالمنزل هو دفع المعدل ,وهو لم يدخل في الحقوق المتنازع فيها .
ولكن الصلح في الصورتين المتقدمتين يبقى كاشفا فيما يتعلق بالحقوق المتنازع فيها , فالصلح إذا كان منشئا بالنسبة للإلتزام بدفع المبلغ من النقود, وناقلا بالنسبة إلى الدار, فهو كاشف بالنسبة إلى الأرض لأنها هي الحق المتنازع فيه .
ثانيا = الأثر النسبي للصلح .
الصلح شأنه في ذلك شأن سائر العقود له أثر نسبي , فهو مقصور على المحل الذي وقع عليه , وعلى الطرفين الذين وقع بينهما , وعلى السبب الذي وقع من أجله .
01- الأثر النسبي في المحل : فالصلح مقصور على النزاع الذي تناوله , فإذا تصالح الموصى له مع الورثة على وصية , لم يتناول الصلح إلا الوصية التي وقع النزاع بشأنها فلا يشمل وصية أخرى للموصى له تظهر بعد ذلك .
02- الأثر النسبي في الأشخاص :فإذا تصالح أحد الورثة مع الموصى له على الوصية فإن الورثة الآخرين لايحتجون بهذا الصلح ولا يحتج به عليهم ,فلا يترتب على الصلح نفع أو ضرر لغير عاقديه .
03- الأثر النسبي في السبب : فمن تصالح على حق له أو على حق تلقاه بناء على سبب معين , ثم تلقى هذا الحق ذاته من شخص آخر أو بناء على سبب آخر , لا يكون هذا الحق الذي كسبه من جديد مرتبطا بالصلح السابق .




المطلب الثاني : إنقضاء الصلح.
الصلح بإعتباره عقد ملزم للجانبين فإنه كسائر العقود ينقضى دائما بالفسخ أو بالبطلان وفقا للقواعد العامة .
الفرع الاول = إنقضاء الصلح بالفسخ .
عادة ما يرد الفسخ على العقود بإعتباره نتيجة لعدم تنفيذ طرفي العقد لإلتزاماتهما المتفق عليها فيعتبر, كأنه لم ينعقد ويزول كل أثر, وبالتالي يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كاناعليها قبل التعاقد فإذا إستحال ذلك جاز الحكم بالتعويض لطالب الفسخ طبقا لنص المادة 122,119 من القانون المدني ,وله أن يسترد ما قضي به , فإذا كان عينا يستردها وثمارها وإذا كان مبلغا يسترده وفوائده , وبالتالي يعود النزاع الذي أنهاه الصلح إلى الظهور و ويعود الأطراف إلى الحالة التي كانت قبل إبرام العقد ,وإسترداد كل متعاقد لما أعطاه , إنمايكون على أساس ما دفع دون حق , وكل ذلك تطبيق للقواعد العامة التي تقوم عليها نظرية الفسخ.
الفرع الثاني = إنقضاء الصلح بالبطلان .
قد ينقضي الصلح بالبطلان كسائر العقود وتطبق بشأنه القواعد العامة للبطلان لكن هل يكتفي عقد الصلح بهذه القواعد العامة أم أنه ينفرد بقواعد خاصة تميزه عن العقود الاخرى ؟
تنص المادة 466 من القانون المدني على أنه : " الصلح لا يتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله على أن هذا الحكم لا يسري إذا تبين من عبارات العقد أو من قرائن الاحوال أن المتعاقدين قد إتفقا على أن أجزاء العقد مستقلة بعضها عن بعض ". بالنظر إلى هذه المادة نجدها تقر ببعض المبادئ الهامة والمتمثلة في :
• أن الصلح لايتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله .
• لايسري هذا الحكم إذا تبين من عبارات العقد أن أجزاء العقد مستقلة عن بعضها البعض .
فيكون الصلح وحدة لا تتجزأ وهذه الوحدة تكون في كل بنوده وشروطه وبالنسبة لجميع أطرافه , فبطلان جزء منه أولطرف منه يقضي عليه بأكمله وفي كل أجزائه, وبالنسبة لجميع أطرافه , فإن جمع الصلح عدة متصالحين وكان منهم قاصر إلى جانب البالغين فيكون بطلانه بالنسبة للقاصر ولغير القاصر وإذا تضمن الصلح مسألة متعلقة بالحالة الشخصية إلى جانب ما ينجر عنها من حقوق مالية , كما هو الشأن بالنسبة لصفة الوارث والحقوق التي إنتقلت إليه عن طريق الإرث , فإن الصلح في هذه الحالة يقع باطلا برمته , وتستند هذه القاعدة إلى إرادة المتصالحين الضمنية , فالصلح عبارة عن تنازل كل طرف عن جزء مما يدعيه من حقوق في مقابل نزول الطرف الآخر عن بعض ما يدعيه .

وبالتالي يفترض أن يكون قصدهما إتجه إلى جعل صلحهما وحدة لا تتجزأ , فإذا إنهار جزء منها إنهار العمل القانوني بأكمله , لكن هذه القاعدة ليست من النظام العام , فيجوز أن تتجه فيه نية المتعاقدين صراحة أو ضمنيا إلى إعتبار أجزاء الصلح مستقلة عن بعضها البعض, فإذا بطل جزء منه بقيت الأجزاء الأخرى قائمة لأنها مستقلة عن الجزء الباطل وبذلك يمكن أن يتجزأ الصلح طبقا لإرادة الطرفين , وهذا ما أكدته الفقرة الثانية من المادة 466 من القانون المدني .



























المبحث الثالث : الصلح في المواد المدنية والمصالحة الجزائية.

إذا كان الأصل أن الصلح كأسلوب متميز جائز في المنازعات غير الجزائية , أي في المواد المدنية , بإعتبار أنه يقوم على تنازل طرفي النزاع كل منهما على وجه التبادل عن جزء من حقوقه , ويجد دون منازع أسسه القانونية وتكييفه وطبيعته ومصدره على حد سواء ضمن أحكام القانون المدني كما بينا سابقا , إلا أن هذا المبدأ أو الأصل لم يظل على إطلاقه خاصة في المواد الجزائية , إذنصت بعض التشريعات صراحة وبصفة إستثنائية على إجازة الصلح في بعض الجرائم الخاصة , وهذا ما قضت به المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصت صراحة على ما يلي : " ...كما يجوز أن تنقضي الدعوى العمومية بالمصالحة إذا كان القانون يجيزها صراحة " , وقد صدرت عدة قوانين خاصة تجيز المصالحة في فئة معينة من الجرائم وهي ذات الطابع المالي و الإقتصادي مثل الجرائم الجمركية وجرائم المنافسة والأسعار وجرائم الصرف...إلا أنه يثور الإشكال حول الطبيعة القانونية للصلح في المواد الجزائية أو بما يسمى المصالحة الجزائية , ويحتدم النقاش أكثر حول أسسها القانونية وتكييفها ومصدرها وعلاقتها بالصلح في المواد المدنية , وقبل التطرق لدراسة المصالحة الجزائية بالتفصيل في الفصل الثالث , نقوم في هذا الموضع بتبيين التكييف القانوني للصلح وأسسه في المواد الجزائية ومقارنته بالصلح في المواد المدنية ضمن الفروع التالية :

المطلب الأول : الأسس القانونية للمصالحة في المواد الجزائية .

تنتسب المصالحة من حيث المرجعية إلى القانون المدني كنظام قانوني لتسوية الجرائم بطريقة ودية, والتي تحكمها أحكام الفصل الخامس من الباب السابع من القانون المدني في المواد من 459 إلى 466 ومن الناحية القانونية البحتة تستمد المصالحة في المواد الجزائية مشروعيتها من المادة 06 الفقرة الأخيرة من قانون الإجراءات الجزائية التي تجيز إنقضاء الدعوى العمومية بالمصالحة , وإن كانت القاعدة تقضي بتحريم الصلح في المسائل الجزائية وعدم جواز الدخول في أية مساومة مع الجاني بغرض إعفائه من المسؤولية الجنائية و إفلاته من العقاب , لأن هذا الأمر يهم المجتمع ولا يهم فردا بعينه .



إلا أن هذه القاعدة لم تظل على إطلاقها ومرت المصالحة الجزائية في التشرع الجزائري بثلاث مراحل , تراوحت بين التحريم والرخيص ليستقرالأمر بموجب القانون رقم : 86/05 الذي عدل المادة06 من قانون الإجراءات الجزائية على إقراره المصالحة في المسائل الجزائية متأثرا بذلك بالتشريع الفرنسي الذي يعد من التشريعات الاوائل التي أقرت المصالحة في المواد الجزائية ,كما أن الشريعة الإسلامية تشكل أحد المصادر الهامة للتشريع الجزائري حيث تأثر بها المشرع الجزائري إذ أنها تبيح الصلح في جرائم التعزير التي يمكن إدراج الجرائم المالية والإقتصادية وكذا المخالفات التنظيمية ضمنها لتكون بذلك سندا شرعيا للمصالحة في هذه المجالات وإن كان القانون الوضعي أساسها الحقيقي , ولاتجد المصالحة الجزائية مبرراتها وأساسها في الجانب القانوني فحسب بل إن هناك مبررات عملية فرضت اللجوء إلى المصالحة بالنسبة لبعض الجرائم قليلة الخطورة على النظام العام مثل الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والضريبي ,ومن هذه المبررات :
 التخفيف من أعباء القضاء الذي يشهد تزايدا مطردا في القضايا المعروضة عليه وما يترتب على ذلك من إرهاق للقضاة ومساعديهم .
 تفادي طول الإجراءات وتعقيدها وما يترتب على ذلك من التراخي في صدور الأحكام والتأخير في تنفيذ العقوبات .
ضف إلى ذلك وجود مبررات إقتصادية من حيث أن تنمية الموارد المالية للدولة هي الوظيفة الأساسية للإدارات المالية ومن ثمة فلا غرابة أن تكون المصالحة من الوسائل التي تضمن بلوغ هذا الهدف لما تحققه من تخفيف العبء المالي على الدولة ومن نجاعة في تحصيل هذه الموارد .
وبعد أن تناولنا الأسس القانونية والعملية للمصالحة الجزائية بوجه عام يبقى أن نقف على مقارنة بينها وبين الصلح في المواد المدنية .

المطلب الثانى : المقارنة بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية.
بعد أن إنتهينا في العنصر السابق إلى تبيان مشروعية المصالحة الجزائية بوجه عام نتطرق في هذا الفرع إلى إشكالية مهمة ترتكز في البحث عن الطبيعة القانونية للمصالحة في المواد الجزائية ذلك أن المصالحة تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و بالضبط في المادة 459 منه , و من هنا نأخد بالإقرار بالطابع التعاقدي للمصالحة الجزائية رغم أن هذا لايعني بالضرورة أنها عقد فإذا كان من المؤكد أن ما يجمع


المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام والعقد المدني أكبر بكثير مما يفرقهما فإنه مع ذلك تبقى المصالحة الجزائية لها خصوصيتها التي تستمدها من طابعها الجزائي و هذا ما نوضحه في العنصرين التاليين من خلال المقارنة بينها و بين العقد المدني و هذا بإعتبار أن هذا الأخير هو المرجعية الاساسية للصلح بصفة عامة جاءت به أحكام القانون المدني لتطبق على الصلح سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية.
أولا = أوجه الشبه بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية :
1- من حيث شروط الإنعقاد : فأحد طرفي المصالحة في المواد الجزائية دائما إما شخصا طبيعيا و إما شخصا معنويا من القانون الخاص , و في كلتا الحالتين يجب أن تتوفر فيه كل الشروط الواجب توافرها في عقد الصلح المدني , و هي الشروط التي تناولناها فيما سبق.
2- من حيث الأثار : تترتب عن الصلح المدني والمصالحة الجزائية أثار بالغة الأهمية يشتركان في إثنين منها :
• حسم النزاع و هذا بإنقضاء الحقوق و الإدعاءات التي تنازل عنها كل من المتصالحين و تثبيت كل ما إعترف به كل من المتصالحين للآخر من حقوق و هذا مانجده في المصالحة الجزائية حيث تنقضي الدعوى العمومية بالنسبة للجريمة المتصالح فيها ويترتب عن ذلك محو أثار الإتهام .
• الأثر النسبي للصلح مدنيا كان أو جزائيا فهو يقتصرعلى المتصالحين و بالتالي لاينتفع به و لا يضار الغير منه.
ومن أوجه الشبه هذه جعل بعض الفقهاء و على رأسهم " قاسين Gassin " و "أليكس Allix" و "روكس Roux" يعتبرون المصالحة الجمركية صلحا مدنيا .
ثانيا = أوجه الإختلاف بين المصالحة الجزائية والصلح المدني .
01- من حيث النزاع : حسب المادة 459 من القانون المدني فإن النزاع في الصلح المدني يكون قائما أو محتملا , وبالمقابل يكون النزاع في القانون الجزائي قائما بالضرورة لأنه النتيجة المباشرة والمؤكدة للمخالفة , إضافة إلى الإختلاف في محل النزاع ذاته فأي نزاع يمكن أن يكون محل الصلح في القانون المدني مهما كان الحق المتنازع فيه وأيا كانت ترتيباته وصحته ومداه , رغم وجود بعض القيود على مبدأ حرية التصالح ترجع أساسا إلى فكرة النظام العام , وبالمقابل فإن المصالحة الجزائية لها طابع إستثنائى وهي مقيدة إذلا يسمح بها إلا في حالات محصورة جدا ينص عليها القانون صراحة .
02- من حيث نية الأطراف : فيكون أطراف الصلح المدني مبدئيا على قدم المساواة وهدفهم واحد إما لتجنب المحاكمة وهذا لتفادي الإجراءات الطويلة والمعقدة وتكاليفها إذا كان النزاع قائما , وإما لتجنب النزاع أساسا إذا كان غير قائم , وعلى عكس ذلك لا يكون أطراف المصالحة الجزائية على قدم المساواة إذ من الصعب تمثيل مركز مرتكب المخالفة بمن يملك سلطة ملاحقته , كما أن قصد الإدارة من إجراء المصالحة هو حفظ ملف الدعوى نهائيا أما قصد المخالف هو تفادي المحاكمة وهذا لوضع حد لنتائج المخالفة .
03- من حيث التنازلات المتبادلة : يتعين على كل طرف من أطراف الصلح المدني أن يتنازل على وجه التبادل عن حقه , ذلك أن الصلح يقتضى التضحية من الجانبين , وغالبا ما تكون التنازلات متوازية وذات طابع رضائي , وعلى عكس ذلك يكون طرفا المصالحة الجزائية في موقعين غير متكافئين تكون الكفة فيهما لصالح الإدارة التي لها كل السلطات لفرض إرادتها على المخالف الذي لا يملك إلا أن يخضع لشروط الإدارة فيسلم من المتابعة أو يرفضها فيساق به أمام القضاء , وفي مثل هذه الظروف فمن غير اللا ئق أن نتكلم عن التنازلات المتبادلة , فالحقيقة أننا أمام " تنازل " صادر من طرف واحد هو الإدارة .
ومن أوجه الإختلاف هذه يرى الأستاذ " دوبريه " أن " بين الصلح في القانون المدني والصلح في القانون الجزائي فرقا شاسعا " , كما أن " الصلح الجزائي مصدره إجرامي وطبيعته قمعية في حين أن الصلح المدني يغلب عليه الطابع التعاقدي " .
وهكذا نلاحظ أن أوجه الخلاف بين المصالحة في المسائل الجزائية والصلح المدني أقوى من اوجه الشبه بينهما ولذلك وجب التمييز بين الإجرائين .
وبقي أن نشير في آخر هذا المبحث أنه وإن كانت المصالحة في المسائل الجزائية تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و كما رأينا في السابق فإنها تندرج من حيث المفعول في مسار جزائي بدءا من مصدرها الإجرامي وإنتهاءا بأثرها المسقط للدعوى العمومية مما يسبغ عليها صفة ردعية متميزة وهي بهذا تضفي عليها طابعا جزائيا وإن كانت ليست بالضرورة جزاءا , أو حتى ربما تعتبر جزاءا إداريا ,فمصدر المصالحة إدارة عمومية وهدفها ردعي بالضرورة ومضمونها ذو طابع مالي بحت .












الفصل الأول : الأحكام العامة للصلح
وضع التقنين المدني أحكام عامة عن الصلح من حيث أنه عقد ينحسم به النزاع القائم او المحتمل وقوعه ضمن الفصل الخامس تحت الباب السابع بعنوان العقود المتعلقة بالملكية وهذا ليس لأنه ينقل الملكية مثل البيع , بل لأن الصلح عقد يكشف عن الحقوق ولا ينقلها فهو يتضمن نزولا عنها فرتب القانون المدني نصوصه من المادة 459 إلىالمادة 466 وقسمها إلى ثلاثة اقسام وعرض في القسم الآول أركان الصلح وفي القسم الثاني آثار الصلح والقسم الثالث بطلان الصلح .
وما نسير عليه في فصلنا هذا هو أن نبين الأحكام العامة لعقد الصلح وهذا كعقد من عقود التراضى الملزم للجانبين وهذا حسب ما جاء في القانون المدنى وهي الأحكام التى تحكم الصلح بصفة عامة وهذا كعقد ينهى النزاع سواء في المواد المدنية أو الجزائية ,على أن نتناول الصلح كإجراء في المواد المدنية والجزائية في الفصلين اللاحقين ونسير في هذا الفصل الى معالجة الصلح ضمن أربعة مباحث :
 المبحــــــث الأول : مـــــــاهية الصلح .
 المبحــــــث الثاني : أركــــــــان الصلح .
 المبحــــــث الثالث : آثــــــــــــار الصلح .
 المبحــــــث الرابع : الصلح في المواد المدنية والمصالحة في المواد الجزائية .
المبحث الأول : ماهية الصلح .
نتناول في هذا المبحث ضمن مطلبين إلى تعريف الصلح وشروطه في المطلب الأول , وفي المطلب الثاني إلى تميزه عن الأعمال القانونية المشابهة له .

المطلب الاول : تعريف الصلح وشروطه .

الفرع الأول : تعريف الصلح .
أ- الصلح في اللغة : هو إنهاء الخصومة فنقول صالحه وصلاحا إذا صالحه وصافاه , ونقول صالحه على الشيء أي سلك معه مسلك المسالمة في الإتفاق وصلح الشيء إذا زال عنه الفساد .
ب- الصلح لدى فقهاء الشريعة الاسلامية :
1- في الفقه الحنفي : هو عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم وهما منشأ الفساد والفتن .
2- في الفقه المالكى :هو إنتقال حق أو دعوى لرفع نزاع أو خوف وقوعه .
3- في الفقه الشافعي :هو الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين .
4- في الفقه الحنبلي : هو معاقدة يتوصل بهاإلى موافقة بين مختلفين .
ج- الصلح لدى فقهاء القانون : عرفه الدكتور محمود سلامة زناتي بأنه إتفاق حول حق متنازع فيه بين شخصين بمقتضاه يتنازل أحدهما عن إدعائه مقابل تنازل الأخرعن إدعائه أو مقابل أداء شيء ما .
وعرفته الأستاذة إبتسام القرام في مؤلفها المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري بأن الصلح (المصالح) : "عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو محتملا وذلك من خلال التنازل المتبادل ".
أما الدكتور بوسقيعة أحسن فيرى أنه يمكن تعريف المصالحة أو الصلح بوجه عام ,بأنها تسوية لنزاع بطريقة ودية .
د- الصلح في التشريع الجزائري : لقد عرف المشرع الجزائري الصلح في المادة 459 من القانون المدني : " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا وذلك بأن يتنازل كل طرف منهما على وجه التبادل عن حقه " .
ويختلف مفهوم الصلح في المجال المدني من فرع إلى آخر وكذا في المجال الجزائي , غير أن كل التعاريف تشترك في كون الصلح طريقة ودية لإنهاء النزاع وويختلف بإعتباره كعقد أو كإجراء ,فإن كانت المفاهيم السابقة تعرفه كعقد فإنه بالنظر إليه كإجراء أو كما يسمى بالصلح القضائي فقد عرف كالآتي :"هو الإجراءات التى تفرضها بعض القوانين على المتخاصمين لإلزامهم للحضور امام القاضي ومحاولة تقريب وجهات نظرهم بعد إقامة الدعوى وخصوصا في مسائل الطلاق والفراق " .

الفرع الثاني : شروط الصلح .
نص المشرع الجزائري على الشروط الواجب توفرها حتى نكون أمام صلح ,وبالإطلاع على أحكام المواد 459 ,460,461,من القانون المدني نجدها تتضمن شروط عامة يمكن تطبيقها على الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو الجزائية نتناولها بإختصار في هذا الفصل على أن نقف إلى الشروط الخاصة بالصلح في المواد المدنية أو الجزائية في الفصلين الموالييين .
فقد نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه : " يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح ", كما نصت المادة 461 على أنه : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنزاع العام ولكن يجوز الصلح على المصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية " .
ومن نص المادة 459 من القانون المدني نخلص إلى أن للصلح مقومات ثلاثة وهي بمثابة شروط أساسية لكي يكون الصلح صحيحا وتتمثل في :
01 - وجود نزاع قائم أو محتمل .
02 - نية إ نهاء النزاع .
03 - النزول المتبادل عن الإدعاءات .
اولا = وجود نزاع قائم أو محتمل :
إذا لم يكن هناك نزاع قائم أوفي القليل نزاع محتمل , لم يكن العقد صلحا ,فإما أن تكون المطالبة القضائية قائمة ومحاولة الصلح يكون كإجراء أثناء سير الخصومة أو قد يكون مجرد مصالح متعارضة مع إمكانية المطالبة القضائية أي مجرد إحتمال النزاع يكفي .
فإذا كان هناك نزاع قائم مطروح أمام القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائيا ( JUDICIAIRE ) , وإذا كان النزاع محتملا بين الطرفين فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحا غير قضائيا ( EXTRA JUDICIAIRE ) , فالمهم أن يكون هناك نزاع جدي قائم أومحتمل ولو كان أحد الطرفين هو المحق دون الآخروكان حقه واضحا مادام هو غير متأكد من حقه ,فالمعيار هومعيار ذاتي محض والعبرة بما يقوم في ذهن كل من الطرفين لا بوضوح الحق في ذاته .

ثانيا = نية إنهاء النزاع .
أي أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما ,إما بإنهائه إذا كان قائما أو بتوقيه إذا كان محتملا , وليس من الضروري أن ينهي الصلح جميع المسائل المتنازع فيها فقد ينهي بعضها لتبت المحكمة في الباقي , كما يجوز للطرفين أن يتصالحا لإنهاء النزاع ويتفقان على أن يستصدرا حكما من المحكمة بما يتصالحا عليه فيكون هذا صلحا بالرغم من صدور الحكم .
ثالثا= النزول المتبادل عن الإدعاءات .
فإذالم ينزل أحدهما عن شيئ مما يزعمه وترك الطرف الأخر كل ما يدعيه , فلا نكون بصدد الصلح بل مجرد نزول عن الإدعاءات , إذ يجب أن يكون التنازل على وجه التقابل وعن جزء من الإدعاءات وليس من الضروري أن تكون التضحية من الجانبين متعادلة كما لايشترط أن يكون التنازل على جزء من أصل الحق فقد يكون حتى على المصاريف القضائية أو جزء منها فيكون صلحا مهما كانت تضحية الطرف الأخر قليلة بالنسبة إلى تضحية الطرف الأول .
المطلب الثاني : تمييز الصلح عن الأعمال القانونية المشابهة له .
قد يشتبه بالصلح عدة أنظمة مماثلة له لكونها تهدف إلى إنهاء النزاعات والخصومات ونحاول في هذا المطلب إبراز أهم الفروقات بينها .

1 - التحكيم: فالتحكيم يختلف عن الصلح إختلافا بينا , ففيه يتفق الطرفان على محكمين يبتون في نزاعهم أما في الصلح فأطراف الخصومة هم الذين يبتون في نزاعهم والتحكيم لايقتضي تضحية من الجانبين وإجراءات التحكيم وقواعده نظمها قانون الإجراءات المدنية في المواد من 442 إلى 458 مكرر 28 , كما نص عليه أيضا في مجال منازعات العمل الجماعية في قانون 90-02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب المعدل والمتمم , وهذا في المواد من 49 إلى 52 .
2 - الوساطة : وهي إحتكام أطراف النزاع إلى شخص محايد لاعلاقة له بهما الذي تكون له السلطة التقريرية في إيجاد الحل الذي يكون في شكل إقتراحات أو توصيات قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ بها, فالوسيط هنا يعين بالإرادة المشتركة لطرفي النزاع بينما لا يعين المصالح من قبل المتنازعين في منازعات العمل الفردية إذ تتم المصالحة في مكتب المصالحة وهنا تكون إجبارية في حين الوساطة إختيارية .
3 - التسليم بالحق وترك الإدعاء : يتضمنان تضحية من جانب واحد هو الجانب الذي سلم بحق الخصم أو ترك الإدعاء , أما في الصلح فهناك تضحية من الجانبين .
4 - إجازة العقد القابل للإبطال: فالإجازة تتضمن نزولا محضا عن الحق في إبطال العقد , والصلح كذلك يختلف هنا عن الإبراء في أن هذا الأخير هو نزول كامل عن الحق من أحد الجانبين , أما الصلح فنزول جزئي من كل من الجانبين وإن كان كل منهما يحسم النزاع .
والقاضي هو الذي يكيف الإتفاق بأنه صلح أو بأنه عقد آخر وفقا لعناصر الصلح التي قدمناها , ولا يتقيد في ذلك بتكييف الخصوم ... ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقض أما مدى توافر العناصر جميعا ليكون العقد صلحا فهذه مسألة قانون .... تخضع لرقابة محكمة النقض .
المبحث الثاني : أركان الصلح.
لكون أن الصلح هو عقد من عقود التراضي إذ لا يشترط في تكوينه شكل خاص , بل يكفي فيه توافق الإيجاب والقبول ليتم , وما الكتابة فيه إلا للإثبات لا للإنعقاد وهو بهذا كسائر العقود له أركان ثلاثة هي التراضي والمحل والسبب نتناولها تباعا في مطلبين :
المطلب الأول : التراضي في عقد الصلـــح .
المطلب الـثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .

المطلب الأول : التراضي في عقد الصلح .
للتراضي شروط صحة وشروط إنعقاد نتناولها في الفرعين التاليين :
الفرع الأول : شروط الإنعقاد في التراضي .
عقد الصلح من عقود التراضي , فيكفي لإنعقاده توافق الإيجاب والقبول من المتصالحين , وتسري على إنعقاد الصلح بتوافق الإيجاب والقبول القواعد العامة في نظرية العقد, من ذلك طرق التعبير عن الإرادة والوقت الذي ينتج فيه هذا التعبير وأثره وموت من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقده لأهليته , والتعاقد مابين الغائبين , وغير ذلك من الأحكام العامة ولابد من وكالة خاصة في الصلح , فلا يجوز للمحامي أن يصالح على حقوق موكله مالم يكن الصلح منصوص عليه في عقد التوكيل , ويعتبر الصلح قضائي إذا وقع بين الخصوم في دعوى مرفوعة بينهم أمام القضاء ,وتصادق عليه المحكمة ,والحكم الصادر بالتصديق على محضر الصلح يعد بمثابة ورقة رسمية ولكنه لايعتبر حكما , فهو عقد تم بين المتخاصمين , وهذا بخلاف الحكم الإتفاقي الذي يعمد فيه الخصمان أثناء نظر الدعوى إلى الإتفاق على حسم النزاع , وهو بهذا يعتبر حكم قضائي .
ولكون أن الصلح يتضمن عادة شروطا وإتفاقات معقدة إذ هي ثمرة المساومات والأخذ والرد فإنه لايثبت إلا بالكتابة أو بمحضر رسمي , وهي غير ضرورية للإنعقاد لأن الصلح من عقود التراضي ,وإذا لم توجد الكتابة للإثبات جاز إثباته بالإقرار وباليمين ويجوز إستجواب الخصم لإحتمال أن يقر الصلح , وكذلك يجوز إثباته بالبينة والقرائن .

الفرع الثاني : شروط الصحة في التراضي .
يجب أن يتوافر في عقد الصلح الأهلية في المتصالحين وخلو إرادة كل منهما من العيوب .
أولا = الأهلية في عقد الصلح :
نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه :" يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح " .
فالأهلية الواجب توافرها في كل من المتصالحين هي أهلية التصرف بعوض في الحقوق التي تصالح عليها , لأن كلا منهما ينزل عن جزء من إدعائه في نظير نزول الأخر عن جزء مقابل والنزول بمقابل عن حق مدعى به هو تصرف بعوض , فإذا بلغ الإنسان الراشد ولم يحجر عليه كانت له أهلية كاملة في الصلح على جميع الحقوق , والصبي المميز ليست له في الأصل أهلية التصرف في أمواله فلا يملك الصلح على الحقوق , ويجوز لوليه إذا كان هو الأب ان يصالح على حقوقه , ولكن يجب عليه الحصول على إذن المحكمة إذا كان محل الصلح عقارا أو محلا تجاريا أو أوراقا مالية ,وتسري هنا نفس الأحكام على المحجور عليه و أما الصبي غير المميز فلا يملك الصلح كما لايملك التعاقد بتاتا لإنعدام إرادته .

ثانيا = عيوب الرضا في عقد الصلح
يجب أن يكون الرضا خاليا من العيوب , وهذا بأن لايكون مشوبا بغلط أو بتدليس أو بإكراه أو بإستغلال , شأن الصلح في ذلك شأن سائر العقود , فإذا شاب الرضا إكراه جاز أيضا إبطال الصلح وفقا للقواعد العامة المقررة في الإكراه , وقد يشوب الصلح إستغلال فنتبع القواعد المقررة في الإستغلال .
أما عن الغلط فله أهمية خاصة في عقد الصلح , إذ نصت المادة 465 من القانون المدني على أنه : " لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون " .
وهذا النص إستثناء صريح من القواعد العامة , والسبب في ذلك أن المتصالحين كانا وهما في معرض المناقشة في حقوقهما يستطعان التثبت من حكم القانون فيما قام بينهما من نزاع على هذه الحقوق , بل المفروض أنهما تثبتا من هذا الأمر , فلا يسمع من أحد منهما بعد ذلك أنه غلط في فهم القانون , وهذا تحليل تقليدي يتردد كثيرا في الفقه الفرنسي ,وينتقده الفقه الحديث , ويرى الدكتور عبد الرزاق السنهوري أن أقوى تحليل هو أن المتصالحين مادما على بينة من الوقائع ولم يقعا في غلط فهما إنما يتصلحان على حكم
القانون في النزاع الذي بينهما , وسواء علما حكم القانون في هذا النزاع أو لم يعلماه فهما قد قبلا حسم النزاع بينهما على الوجه الذي إتفقا عليه مهما كان حكم القانون فجعل بذلك المشرع الغلط في القانون ليس بالغلط الجوهري في عقد الصلح , أما الغلط في الوقائع في عقد الصلح فيخضع للقواعد العامة ويكون سببا لإبطال الصلح إذا كان جوهريا أي بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام الصلح لو لم يقع في هذا الغلط .

المطلب الثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .

الفرع الأول : المحل في في عقد الصلح .
محل عقد الصلح هو الحق المتنازع فيه , ونزول كل من الطرفين عن جزء مما يدعيه في هذا الحق في مقابل مال يؤديه للطرف الآخر , فيكون هذا المال هو بدل الصلح , فيدخل بدل الصلح ليكون هو أيضا محل الصلح , وأيا كان محل الصلح فإنه يجب أن تتوافر فيه الشروط التي يجب توافرها في المحل بوجه عام , فيجب أن يكون موجودا , ممكنا , معينا أو قابلا للتعيين ويجب بوجه خاص أن يكون مشروعا فلا يجوز أن يكون مخالفا للنظام العام , وتنص المادة 461 من القانون المدني في هذا الصدد على ما يأتي : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام ولكن يجوز الصلح علىالمصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية " .

01 = بطلان الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية والأهلية :
فالحالة الشخصية للإنسان وكذا الأهلية من النظام العام فليس لأحد بإتفاق خاص أن يعدل من أحكامها وقد نصت المادة 45 من القانون المدني على أنه : " ليس لأحد التنازل عن أهليته ولا لتغييرأحكامها " , فلا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالأهلية , مثل أن يتصالح شخص مع آخر على بنوّته منه بنفي أو بإثبات أو على صحة الزواج أو بطلانه , ومن كان غير أهل فلا يجوز له أن يصلح غيره على أنه أهل , ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التي تترتب عن الحالة الشخصية , مثل نزول المطلقة عن مؤخر صداقها وعن نفقة العدة.
02 = بطلان الصلح على الجريمة :
فإذا إرتكب شخص جريمة فلا يجوز له أن يصالح عليها لا مع النيابة ولا مع المجني عليه , وهذا كأصل عام مع وجود بعض الإستثناءات سنبينها في حينها , وهذا لأن الدعوى الجنائية من حق المجتمع وهي من النظام العام فلا يجوز الصلح عليها ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التى تنشأ من إرتكاب الجريمة , فيجوز الصلح على حق التعويض المدني .
03 = بطلان الصلح في مسائل أخرى من النظا م العام :
فلا يجوز الصلح على الضرائب والرسوم المستحقة إذا كان الحق في تحصيلها بصفة نهائية وليست محلا للنزاع ,وإنما يجوز الإتفاق على تقسيطها , ولايجوز الصلح على أحكام القانون المتعلق بإصابات العمل , ولا على الأموال العامة للدولة , فهذه تخرج عن التعامل , ولا يجوز الصلح على بطلان التصرفات الراجع إلى النظام العام مثل التصالح على دين قمار أو دين سسببه مخالف للآداب .

الفرع الثاني : السبب في عقد الصلح .
 هناك السبب بالمعنى التقليدي :
فالسبب بالمعنى التقليدي في عقد الصلح هو الغرض المباشر الذي من أجله إلتزم المدين , فيكون سبب إلتزام كل متصالح هو نزول المتصالح الآخر عن جزء من إدعائه وعلى هذا الوجه يختلط السبب بالمحل إختلاطا تاما .
وهناك من الفقهاء يجعل السبب في عقد الصلح هو حسم نزاع قائم أو محتمل , فإذا لم يكن هناك نزاع , أو كان النزاع قد حسمه حكم نهائي , فالصلح يكون باطلا لإنعدام السبب , ويرى الأستاذ السنهوري بأن وجود نزاع بين المتصالحين هو من مقومات الصلح وليس سببا له , ومن ثم يكون النزاع محلا لعقد الصلح لا سببا له .
 وهناك السبب بالمعنى الحديث :
وهو الذي تقول به النظرية الحديثة , والمتمثل في الباعث الدافع للمتصالحين على إبرام الصلح , فهناك من يدفعه إلى الصلح خشيته أن يخسر دعواه أو عزوفه عن التقاضي أو خوفه من العلانية والتشهير , وقد يكون الدافع هو الإبقاء على صلة الرحم أو على صداقة قديمة ...وهذه البواعث مشروعة فالصلح الذي يكون سببه باعثا من هذه البواعث يكون مشروعا , أما إذا كان الدافع إليه سببا غير مشروع فإنه
يكون باطلا , مثل أن يصالح شخص آخر على نزاع متعلق بإيجار منزل حتى يتمكن من إدارته للدعارة أو للمقامرة , فهذه بواعث غير مشروعة ومتى كان الطرف الآخر على علم بها فإن الصلح يكون باطلا لعدم مشروعية السبب .
المبحث الثالث : أثار الصلح وإنقضائه .
نعالج هذا المبحث في مطلبين , الأول نتناول فيه الآثار المترتبة عن الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية, على أن نتطرق إلى الآثار الخاصة لكل نوع من المنازعات في حينه , ثم في مطلب ثاني كيفية إنقضاء الصلح .

المطلب الأول : الأثار المترتبة عن الصلح .
إن الهدف الأسمى للصلح هو إنهاء النزاع بين أطرافه , وذلك بتسويته بصورة ودية , والصلح في الأصل يكشف عن الحقوق ولا ينشؤها وأثره نسبي بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى السبب.

الفرع الأول = حسم النزاع .
إذا أبرم صلح بين طرفين فإن هذا الصلح يحسم النزاع بينهما عن طريق إنقضاء الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين , ويستطيع كل منهما أن يلزم الآخر بما تم عليه الصلح أو يطلب فسخ الصلح إذا لم يقم الطرف الآخر بما إلتزم به فنصت المادة 462 من القانون المدني على أنه : " ينهي الصلح النزاعات التي يتناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق والإدعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية " .
ومن خلال هذا النص نجد ان للصلح أثر إنقضاء وأثر تثبيت :
-فيكون إنقضاء : إذا تنازع شخصان على ملكية دار وأرض مثلا ثم تصالحا على ان تكون الدار لأحدهما والارض للآخر , فهذا الصلح عقد ملزم للجانبين يلزم من خلصت له الدار أن ينزل عن إدعائه في ملكية الأرض ,ويلزم من خلصت له الأرض أن ينزل عن إدعائه في ملكية الدار .
- ويكـون تثبيت : كما في المثال السابق حيث من خلصت له الدار قد تثبتت ملكيته فيها , إذنزل الطرف الأول عن إدعائه لهذه الملكية , ومن خلصت له الأرض قد ثبتت ملكيته فيها هو أيضا ,إذ نزل الطلرف الآخر عن إدعائه لملكيتها .
وإذا تم حسم النزاع بالصلح وهذا بان تنقضي الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين فإنه يثور التساؤل عن كيفية تفسير هذا التنازل ؟ ثم عن طرق إلزام كل طرف بما تم عليه الصلح ؟ وهذا مانتناوله فيما يلي :
أولا = تفسير التنازل تفسيرا ضيقا :
نصت المادة 464 من القانون المدني على أنه : " يجب أن تفسر عبارات التنازل التي يتضمنها الصلح تفسيرا ضيقا أيا كانت تلك العبارات فإن التنازل لايشمل إلا الحقوق التي كانت بصفة جلية محلا للنزاع الذي حسمه الصلح ".
والصلح شأنه شأن غيره من العقود يقوم فيه قاضي الموضوع بالتفسير , ولا يخضع لرقابة المحكمة العليا في التفسير مادام يستند إلى مبررات وأسباب , على أنه لما كان هناك نزول لكل من المتصالحين عن جزء من إدعائه , فإن هذا النزول المتبادل يجب أن :
 يفسر تفسيرا ضيقا : فإذا تصالح الشريك مع شركائه على ما يستحق من أرباح الشركة فإن هذا الصلح لا يشمل إلا ما إستحقه فعلا من أرباح , لا ماقد يستحقه في المستقبل .
 أن يكون اثر الصلح مقصورا على النزاع الذي تناوله : وهذا ما يعرف بالأثر النسبي للصلح فيما يتعلق بالمحل , أي دون ان يمتد إلي أي شيء آخر ,فالعقد يقتصر اثره على من كان طرفا فيه وعلى المحل الذي تناوله , فإذا تصالح وارث مع بقية الورثة على ميراث إقتصر الأثر على الميراث الذي تناوله الصلح ولا يتناول ميراثا آخر يشترك فيه أيضا بقية الورثة .
ثانيا = طرق الإلزام بالصلح .
فإذا أبرم الصلح بين طرفين إستطاع كل طرف أن يلزم الآخر بهذا الصلح فيمنعه من تجديد النزاع وهذا عن طريق :
 الدفع بالصلح : فإذا إنحسم النزاع بالصلح , لم يجز لأي من المتصالحين أن يجدد هذا النزاع, ويستطيع المتصالح الآخر أن يدفع بالصلح الدعوى المقامة او المطلوب المضي فيها أو المجددة .


 وضع شرط جزائي في العقد : يوقع على من يخل بإلتزامه بمقتضى عقد الصلح أو يرجع إلى النزاع الذي إنحسم , فنتبع في ذلك القواعد العامة المقررة في الشرط الجزائي وهذا كأن يكون مقررا للتأخر في تنفيذ الصلح أو كجزاء على الطعن فيه.
 فسخ العقد : فإذا أخل أحد المتصالحين بإلتزاماته في الصلح ,يجوز للآخر طلب فسخ العقد, لأن الصلح عقد ملزم للجانبين .

الفرع الثاني : الأثر الكاشف والأثر النسبي للصلح .
أولا = الأثر الكاشف للصلح :
تنص المادة 463 من القانون المدني على أنه : " للصلح اثر كاشف بالنسبة لما اشتمل عليه من الحقوق , ويقتصر هذا الأثر على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها ", يفهم من هذا النص أنه إذا اشتمل الصلح على حقوق غير متنازع فيها , وهو ما يسمى بدل الصلح كان الأثر ناقلا لا كاشفا .
- ومعنى ان للصلح أثرا كاشفا بالنسبة للحقوق المتنازع فيها أن الحق الذي يخلص للمتصالح بالصلح يستند إلى مصدره الأول لا إلى الصلح ,فإذا إشترى شخصان دارا في الشيوع , ثم تنازعا على نصيب كل منهما في الدار وتصالحا على أن يكون لكل منهما نصيب معين أعتبر كل منهما مالكا لهذا النصيب لا بعقد الصلح بل بعقد البيع الذي إشتريا به الدار في الشيوع و إستند بذلك حق كل منهما إلى مصدره الأول لا إلى الصلح , وتعلل النظرية التقليدية ذلك بأن الصلح هو إقرار من كل من المتصالحين لصاحبه , والإقرار إخبار لا إنشاء فهو يكشف عن الحق ولا ينشؤه , أما النظرية الحديثة تعلل ذلك بأن المتصالح إنما هو ينزل عن حق الدعوى في الجزء من الحق الذي سلم به , فهذا الجزء من الحق قد بقي على وصفه الأول دون أن يتغير.
ويترتب على الأثر الكاشف للصلح مايأتي :
 لايعتبر المتصالح متلقيا الحق المتنازع فيه من المتصالح الآخر ولا يكون خلفا له في هذا الحق .  لا يلتزم المتصالح الآخر بضمان الحق المتنازع فيه الذي خلص للمتصالح الأول , لأنه لم ينقل هذا الحق والإلتزام بالضمان لا يكون إلا مكملا للإلتزام بنقل الحق .
 لما كان الصلح غير ناقل للحق ,فإنه لا يصلح سببا صحيحا للتملك بالتقادم القصير .

إذا خلص عقار لأحد المتنازعين فيه بالصلح, فإن الصلح وهو كاشف عن الحق لا يفتح الباب للأخذ الشفعة .
كذلك إذا وقع الصلح على دين متنازع فيه في ذمة الغير , فلا تراعى هنا الإجراءات الواجبة في حوالة الحق .
- أما بالنسبة للحقوق غير المتنازع فيها فإن الصلح ينشأ إلتزامات أو ينقل حقوقا فيكون له أثر منشىء أو ناقل لا أثر كاشف, مثل أن يتنازع شخصان على أرض ومنزل فيتصالحا على أن يختص أحدهما بالأرض والآخر بالمنزل , فإذا كان المنزل قيمته أكبر من الأرض , واقتضى الأمر أن يدفع من إختص بالمنزل معدلا , مبلغا من النقود يلتزم بدفعها لمن إختص بالأرض , فهنا الصلح قد أنشأ إلتزاما في ذمة من إختص بالمنزل هو دفع المعدل ,وهو لم يدخل في الحقوق المتنازع فيها .
ولكن الصلح في الصورتين المتقدمتين يبقى كاشفا فيما يتعلق بالحقوق المتنازع فيها , فالصلح إذا كان منشئا بالنسبة للإلتزام بدفع المبلغ من النقود, وناقلا بالنسبة إلى الدار, فهو كاشف بالنسبة إلى الأرض لأنها هي الحق المتنازع فيه .
ثانيا = الأثر النسبي للصلح .
الصلح شأنه في ذلك شأن سائر العقود له أثر نسبي , فهو مقصور على المحل الذي وقع عليه , وعلى الطرفين الذين وقع بينهما , وعلى السبب الذي وقع من أجله .
01- الأثر النسبي في المحل : فالصلح مقصور على النزاع الذي تناوله , فإذا تصالح الموصى له مع الورثة على وصية , لم يتناول الصلح إلا الوصية التي وقع النزاع بشأنها فلا يشمل وصية أخرى للموصى له تظهر بعد ذلك .
02- الأثر النسبي في الأشخاص :فإذا تصالح أحد الورثة مع الموصى له على الوصية فإن الورثة الآخرين لايحتجون بهذا الصلح ولا يحتج به عليهم ,فلا يترتب على الصلح نفع أو ضرر لغير عاقديه .
03- الأثر النسبي في السبب : فمن تصالح على حق له أو على حق تلقاه بناء على سبب معين , ثم تلقى هذا الحق ذاته من شخص آخر أو بناء على سبب آخر , لا يكون هذا الحق الذي كسبه من جديد مرتبطا بالصلح السابق .
المطلب الثاني : إنقضاء الصلح.
الصلح بإعتباره عقد ملزم للجانبين فإنه كسائر العقود ينقضى دائما بالفسخ أو بالبطلان وفقا للقواعد العامة .
الفرع الاول = إنقضاء الصلح بالفسخ .
عادة ما يرد الفسخ على العقود بإعتباره نتيجة لعدم تنفيذ طرفي العقد لإلتزاماتهما المتفق عليها فيعتبر, كأنه لم ينعقد ويزول كل أثر, وبالتالي يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كاناعليها قبل التعاقد فإذا إستحال ذلك جاز الحكم بالتعويض لطالب الفسخ طبقا لنص المادة 122,119 من القانون المدني ,وله أن يسترد ما قضي به , فإذا كان عينا يستردها وثمارها وإذا كان مبلغا يسترده وفوائده , وبالتالي يعود النزاع الذي أنهاه الصلح إلى الظهور و ويعود الأطراف إلى الحالة التي كانت قبل إبرام العقد ,وإسترداد كل متعاقد لما أعطاه , إنمايكون على أساس ما دفع دون حق , وكل ذلك تطبيق للقواعد العامة التي تقوم عليها نظرية الفسخ.
الفرع الثاني = إنقضاء الصلح بالبطلان .
قد ينقضي الصلح بالبطلان كسائر العقود وتطبق بشأنه القواعد العامة للبطلان لكن هل يكتفي عقد الصلح بهذه القواعد العامة أم أنه ينفرد بقواعد خاصة تميزه عن العقود الاخرى ؟
تنص المادة 466 من القانون المدني على أنه : " الصلح لا يتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله على أن هذا الحكم لا يسري إذا تبين من عبارات العقد أو من قرائن الاحوال أن المتعاقدين قد إتفقا على أن أجزاء العقد مستقلة بعضها عن بعض ". بالنظر إلى هذه المادة نجدها تقر ببعض المبادئ الهامة والمتمثلة في :
• أن الصلح لايتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله .
• لايسري هذا الحكم إذا تبين من عبارات العقد أن أجزاء العقد مستقلة عن بعضها البعض .
فيكون الصلح وحدة لا تتجزأ وهذه الوحدة تكون في كل بنوده وشروطه وبالنسبة لجميع أطرافه , فبطلان جزء منه أولطرف منه يقضي عليه بأكمله وفي كل أجزائه, وبالنسبة لجميع أطرافه , فإن جمع الصلح عدة متصالحين وكان منهم قاصر إلى جانب البالغين فيكون بطلانه بالنسبة للقاصر ولغير القاصر وإذا تضمن الصلح مسألة متعلقة بالحالة الشخصية إلى جانب ما ينجر عنها من حقوق مالية , كما هو الشأن بالنسبة لصفة الوارث والحقوق التي إنتقلت إليه عن طريق الإرث , فإن الصلح في هذه الحالة يقع باطلا برمته , وتستند هذه القاعدة إلى إرادة المتصالحين الضمنية , فالصلح عبارة عن تنازل كل طرف عن جزء مما يدعيه من حقوق في مقابل نزول الطرف الآخر عن بعض ما يدعيه .
وبالتالي يفترض أن يكون قصدهما إتجه إلى جعل صلحهما وحدة لا تتجزأ , فإذا إنهار جزء منها إنهار العمل القانوني بأكمله , لكن هذه القاعدة ليست من النظام العام , فيجوز أن تتجه فيه نية المتعاقدين صراحة أو ضمنيا إلى إعتبار أجزاء الصلح مستقلة عن بعضها البعض, فإذا بطل جزء منه بقيت الأجزاء الأخرى قائمة لأنها مستقلة عن الجزء الباطل وبذلك يمكن أن يتجزأ الصلح طبقا لإرادة الطرفين , وهذا ما أكدته الفقرة الثانية من المادة 466 من القانون المدني .

yacine414
2011-02-05, 14:33
المبحث الثالث : الصلح في المواد المدنية والمصالحة الجزائية.
إذا كان الأصل أن الصلح كأسلوب متميز جائز في المنازعات غير الجزائية , أي في المواد المدنية , بإعتبار أنه يقوم على تنازل طرفي النزاع كل منهما على وجه التبادل عن جزء من حقوقه , ويجد دون منازع أسسه القانونية وتكييفه وطبيعته ومصدره على حد سواء ضمن أحكام القانون المدني كما بينا سابقا , إلا أن هذا المبدأ أو الأصل لم يظل على إطلاقه خاصة في المواد الجزائية , إذنصت بعض التشريعات صراحة وبصفة إستثنائية على إجازة الصلح في بعض الجرائم الخاصة , وهذا ما قضت به المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصت صراحة على ما يلي : " ...كما يجوز أن تنقضي الدعوى العمومية بالمصالحة إذا كان القانون يجيزها صراحة " , وقد صدرت عدة قوانين خاصة تجيز المصالحة في فئة معينة من الجرائم وهي ذات الطابع المالي و الإقتصادي مثل الجرائم الجمركية وجرائم المنافسة والأسعار وجرائم الصرف...إلا أنه يثور الإشكال حول الطبيعة القانونية للصلح في المواد الجزائية أو بما يسمى المصالحة الجزائية , ويحتدم النقاش أكثر حول أسسها القانونية وتكييفها ومصدرها وعلاقتها بالصلح في المواد المدنية , وقبل التطرق لدراسة المصالحة الجزائية بالتفصيل في الفصل الثالث , نقوم في هذا الموضع بتبيين التكييف القانوني للصلح وأسسه في المواد الجزائية ومقارنته بالصلح في المواد المدنية ضمن الفروع التالية :

المطلب الأول : الأسس القانونية للمصالحة في المواد الجزائية .
تنتسب المصالحة من حيث المرجعية إلى القانون المدني كنظام قانوني لتسوية الجرائم بطريقة ودية, والتي تحكمها أحكام الفصل الخامس من الباب السابع من القانون المدني في المواد من 459 إلى 466 ومن الناحية القانونية البحتة تستمد المصالحة في المواد الجزائية مشروعيتها من المادة 06 الفقرة الأخيرة من قانون الإجراءات الجزائية التي تجيز إنقضاء الدعوى العمومية بالمصالحة , وإن كانت القاعدة تقضي بتحريم الصلح في المسائل الجزائية وعدم جواز الدخول في أية مساومة مع الجاني بغرض إعفائه من المسؤولية الجنائية و إفلاته من العقاب , لأن هذا الأمر يهم المجتمع ولا يهم فردا بعينه .
إلا أن هذه القاعدة لم تظل على إطلاقها ومرت المصالحة الجزائية في التشرع الجزائري بثلاث مراحل , تراوحت بين التحريم والرخيص ليستقرالأمر بموجب القانون رقم : 86/05 الذي عدل المادة06 من قانون الإجراءات الجزائية على إقراره المصالحة في المسائل الجزائية متأثرا بذلك بالتشريع الفرنسي الذي يعد من التشريعات الاوائل التي أقرت المصالحة في المواد الجزائية ,كما أن الشريعة الإسلامية تشكل أحد المصادر الهامة للتشريع الجزائري حيث تأثر بها المشرع الجزائري إذ أنها تبيح الصلح في جرائم التعزير التي يمكن إدراج الجرائم المالية والإقتصادية وكذا المخالفات التنظيمية ضمنها لتكون بذلك سندا شرعيا للمصالحة في هذه المجالات وإن كان القانون الوضعي أساسها الحقيقي , ولاتجد المصالحة الجزائية مبرراتها وأساسها في الجانب القانوني فحسب بل إن هناك مبررات عملية فرضت اللجوء إلى المصالحة بالنسبة لبعض الجرائم قليلة الخطورة على النظام العام مثل الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والضريبي ,ومن هذه المبررات :
 التخفيف من أعباء القضاء الذي يشهد تزايدا مطردا في القضايا المعروضة عليه وما يترتب على ذلك من إرهاق للقضاة ومساعديهم .
 تفادي طول الإجراءات وتعقيدها وما يترتب على ذلك من التراخي في صدور الأحكام والتأخير في تنفيذ العقوبات .
ضف إلى ذلك وجود مبررات إقتصادية من حيث أن تنمية الموارد المالية للدولة هي الوظيفة الأساسية للإدارات المالية ومن ثمة فلا غرابة أن تكون المصالحة من الوسائل التي تضمن بلوغ هذا الهدف لما تحققه من تخفيف العبء المالي على الدولة ومن نجاعة في تحصيل هذه الموارد .
وبعد أن تناولنا الأسس القانونية والعملية للمصالحة الجزائية بوجه عام يبقى أن نقف على مقارنة بينها وبين الصلح في المواد المدنية .

المطلب الثانى : المقارنة بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية.
بعد أن إنتهينا في العنصر السابق إلى تبيان مشروعية المصالحة الجزائية بوجه عام نتطرق في هذا الفرع إلى إشكالية مهمة ترتكز في البحث عن الطبيعة القانونية للمصالحة في المواد الجزائية ذلك أن المصالحة تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و بالضبط في المادة 459 منه , و من هنا نأخد بالإقرار بالطابع التعاقدي للمصالحة الجزائية رغم أن هذا لايعني بالضرورة أنها عقد فإذا كان من المؤكد أن ما يجمع
المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام والعقد المدني أكبر بكثير مما يفرقهما فإنه مع ذلك تبقى المصالحة الجزائية لها خصوصيتها التي تستمدها من طابعها الجزائي و هذا ما نوضحه في العنصرين التاليين من خلال المقارنة بينها و بين العقد المدني و هذا بإعتبار أن هذا الأخير هو المرجعية الاساسية للصلح بصفة عامة جاءت به أحكام القانون المدني لتطبق على الصلح سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية.
أولا = أوجه الشبه بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية :
3- من حيث شروط الإنعقاد : فأحد طرفي المصالحة في المواد الجزائية دائما إما شخصا طبيعيا و إما شخصا معنويا من القانون الخاص , و في كلتا الحالتين يجب أن تتوفر فيه كل الشروط الواجب توافرها في عقد الصلح المدني , و هي الشروط التي تناولناها فيما سبق.
4- من حيث الأثار : تترتب عن الصلح المدني والمصالحة الجزائية أثار بالغة الأهمية يشتركان في إثنين منها :
• حسم النزاع و هذا بإنقضاء الحقوق و الإدعاءات التي تنازل عنها كل من المتصالحين و تثبيت كل ما إعترف به كل من المتصالحين للآخر من حقوق و هذا مانجده في المصالحة الجزائية حيث تنقضي الدعوى العمومية بالنسبة للجريمة المتصالح فيها ويترتب عن ذلك محو أثار الإتهام .
• الأثر النسبي للصلح مدنيا كان أو جزائيا فهو يقتصرعلى المتصالحين و بالتالي لاينتفع به و لا يضار الغير منه.
ومن أوجه الشبه هذه جعل بعض الفقهاء و على رأسهم " قاسين Gassin " و "أليكس Allix" و "روكس Roux" يعتبرون المصالحة الجمركية صلحا مدنيا .
ثانيا = أوجه الإختلاف بين المصالحة الجزائية والصلح المدني .
04- من حيث النزاع : حسب المادة 459 من القانون المدني فإن النزاع في الصلح المدني يكون قائما أو محتملا , وبالمقابل يكون النزاع في القانون الجزائي قائما بالضرورة لأنه النتيجة المباشرة والمؤكدة للمخالفة , إضافة إلى الإختلاف في محل النزاع ذاته فأي نزاع يمكن أن يكون محل الصلح في القانون المدني مهما كان الحق المتنازع فيه وأيا كانت ترتيباته وصحته ومداه , رغم وجود بعض القيود على مبدأ حرية التصالح ترجع أساسا إلى فكرة النظام العام , وبالمقابل فإن المصالحة الجزائية لها طابع إستثنائى وهي مقيدة إذلا يسمح بها إلا في حالات محصورة جدا ينص عليها القانون صراحة .
05- من حيث نية الأطراف : فيكون أطراف الصلح المدني مبدئيا على قدم المساواة وهدفهم واحد إما لتجنب المحاكمة وهذا لتفادي الإجراءات الطويلة والمعقدة وتكاليفها إذا كان النزاع قائما , وإما لتجنب النزاع أساسا إذا كان غير قائم , وعلى عكس ذلك لا يكون أطراف المصالحة الجزائية على قدم المساواة إذ من الصعب تمثيل مركز مرتكب المخالفة بمن يملك سلطة ملاحقته , كما أن قصد الإدارة من إجراء المصالحة هو حفظ ملف الدعوى نهائيا أما قصد المخالف هو تفادي المحاكمة وهذا لوضع حد لنتائج المخالفة .
06- من حيث التنازلات المتبادلة : يتعين على كل طرف من أطراف الصلح المدني أن يتنازل على وجه التبادل عن حقه , ذلك أن الصلح يقتضى التضحية من الجانبين , وغالبا ما تكون التنازلات متوازية وذات طابع رضائي , وعلى عكس ذلك يكون طرفا المصالحة الجزائية في موقعين غير متكافئين تكون الكفة فيهما لصالح الإدارة التي لها كل السلطات لفرض إرادتها على المخالف الذي لا يملك إلا أن يخضع لشروط الإدارة فيسلم من المتابعة أو يرفضها فيساق به أمام القضاء , وفي مثل هذه الظروف فمن غير اللا ئق أن نتكلم عن التنازلات المتبادلة , فالحقيقة أننا أمام " تنازل " صادر من طرف واحد هو الإدارة .
ومن أوجه الإختلاف هذه يرى الأستاذ " دوبريه " أن " بين الصلح في القانون المدني والصلح في القانون الجزائي فرقا شاسعا " , كما أن " الصلح الجزائي مصدره إجرامي وطبيعته قمعية في حين أن الصلح المدني يغلب عليه الطابع التعاقدي " .
وهكذا نلاحظ أن أوجه الخلاف بين المصالحة في المسائل الجزائية والصلح المدني أقوى من اوجه الشبه بينهما ولذلك وجب التمييز بين الإجرائين .
وبقي أن نشير في آخر هذا المبحث أنه وإن كانت المصالحة في المسائل الجزائية تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و كما رأينا في السابق فإنها تندرج من حيث المفعول في مسار جزائي بدءا من مصدرها الإجرامي وإنتهاءا بأثرها المسقط للدعوى العمومية مما يسبغ عليها صفة ردعية متميزة وهي بهذا تضفي عليها طابعا جزائيا وإن كانت ليست بالضرورة جزاءا , أو حتى ربما تعتبر جزاءا إداريا ,فمصدر المصالحة إدارة عمومية وهدفها ردعي بالضرورة ومضمونها ذو طابع مالي بحت .












الفصل الثالث : الصلح في المواد الجزائية .

المصالحة في المواد الجزائية ليست غريبة في القانون الجزائري , حيث كان العمل يجري بها منذ الإستقلال إلى غاية سنة 1975 أين تم تحريمها إثر تعديل نص المادة السادسة الفقرة الأخيرة من الأمر 66/165 المؤرخ في : 08/06/1966 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية التي كانت تجيزها , وذلك بموجب الأمر 75/46 المؤرخ في:17/06/1975 وإثر هذا التعديل أصبح قانون الإجراءات الجزائية ينص صراحة على تحريم المصالحة , غير أن المشرع تراجع عن موقفه حيث عدل ثانية نص المادة السادسة المذكورة بموجب القانون 86/05 الصادر في : 04/03/1986 , فأجاز إنقضاء الدعوى العمومية بالمصالحة .
و المشرع في بعض الجرائم قيد المتابعة الجزائية بضرورة تقديم شكوى من الطرف المضرور , كما هو الأمر في جريمة الزنا والسرقات و النصب وخيانة الأمانة التي تقع بين الأقارب والحواشي والأصهار لغاية الدرجة الرابعة حسب المواد : 339 , 369 , 373 و377 من قانون العقوبات , وأن التنازل عن الشكوى في هذه الجرائم يضع حد للمتابعة .
ولا يمكن إعتبار هذه الحالات المحددة على سبيل الحصر والتي يؤدي التنازل فيها عن الشكوى إلى وضع حد للمتابعة الجزائية بأنها مصالحة لأن المشرع هنا أخذ بعين الإعتبار بالروابط العائلية فجعل تحريك الدعوى العمومية مقيد بتقديم شكوى من الطرف المضرور , إضافة إلى أنه و إن كان سحب الشكوى يؤدي إلى إنقضاء الدعوى العمومية إلا أن المشرع نص في المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه تنقضي الدعوى العمومية بسحب الشكوى إذا كانت هذه شرط لازم للمتابعة من جهة , وبالمصالحة إذا كان
القانون يجيزها صراحة من جهة أخرى , وبالتالي لايمكن الخلط بين الأمرين , رغم مايثيره هذا الموضوع من جدال فقهي وقضائي لايسعنا في هذا المقام الخوض فيه .
كما نص المشرع الجزائري في قانون العقوبات على بعض الإعفاءات من العقاب في بعض الجرائم الخاصة والتي تتعلق بالسرقات والنصب وخيانة الأمانة التي تقع من الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع , والفروع إضرارا بأصولهم , وأحد الزوجين إضرارا بالزوج الآخر حسب المواد 368 , 373 ,377 من قانون العقوبات , وفي مثل هذه الحالات لايمكن كذلك إعتبار ها من قبيل المصالحة وذلك لكون
أن الدعوى العمومية تبقى قائمة , والقاضي يثبت الإدانة على مرتكب الجريمة إلا أن هذا الأخير يعفى من العقاب حفاظا على الروابط العائلية .
وقد نصت المادة 02 من القانون رقم 99/08 المؤرخ في 13/07/1999 والمتعلق باستعادة الوئام المدني على أن يستفيد الأشخاص المذكورين أعلاه وحسب الحالات من الإعفاء من المتابعة , ونفهم من نص المادة 03 من نفس القانون أنه لا يتابع قضائيا من سبق أن إنتمى إلى إحدى المنظمات المذكورة في المادة 87 مكرر3 من قانون العقوبات داخل الوطن أو خارجه ولم يرتكب أو يشارك في أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 87 مكرر من قانون العقوبات , أدت إلى قتل شخص أو سببت له عجزا دائما أو إغتصابا أو لم يستعمل متفجرات في أماكن عمومية أو أماكن يتردد عليها الجمهور , والذي يكون قد أشعر في أجل ستة أشهر إبتداءا من تاريخ صدور هذا القانون , السلطات المختصة بتوقفه عن كل نشاط إرهابي أو تخريبي وحضر تلقائيا أمام هذه السلطات المختصة .
فنلاحظ من خلال قانون الوئام المدني أنه يوجد تنازل بين طرفين , إذ يتنازل الأول ويصرح بعدم القيام في المستقبل بهذه الأفعال التي يحرمها القانون ويسلم الأسلحة والذخيرة , وتلتزم السلطة بالمقابل بعدم المتابعة والإعفاء التام من ذلك , ولكن لا يمكن اعتبار ذلك مصالحة لأن المشرع كان يهدف من قانون الوئام المدني الذهاب تدريجيا إلى المصالحة الوطنية , وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد .
وعليه وكما أشرنا في الفصل الأول فإن الأساس القانوني للمصالحة في المواد الجزائية يتمثل في نص المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية و التي أجازت صراحة وبصفة إستثنائية إنقضاء الدعوى العمومية
بالمصالحة إذا كان القانون يجيزها صراحة , وقد صدرت عدة قوانين خاصة تجيز المصالحة في فئة معينة من الجرائم وهي الجرائم ذات الطابع المالي والإقتصادي المتمثلة في : الجرائم الجمركية , جرائم الصرف , جرائم المنافسة والأسعار , و في بعض المخالفات التنظيمية وذلك لعدم خطورتها .
وهذه المواضيع هي التي سيتم تناولها في هذا الفصل ضمن المباحث التالية :
 المبحث الأول : المصالحة في قانون الجمارك .
 المبحث الثاني : المصالحة في قانون الصـرف .
 المبحث الثالث : المصالحة في قانون المنافسة والأسعار .
 المبحث الرابع : المصالحة في المخالفــات التنظيــميــــة .

المبحث الأول : المصالحة في قانون الجمارك.
صدر قانون الجمارك في ظل التحريم الذي أقره المشرع بشأن المصالحة بشكل عام في المواد الجزائية , إثر تعديل قانون الإجراءات الجزائية بموجب الأمر 75/46 المؤرخ في :17/06/1975 إذ جاء في المادة 06 فقرة 03 من قانون الإجراءات الجزائية أنه : " لا يجوز بأي وجه من الوجوه ان تنقضي الدعوى بالمصالحة ".
فكان لزاما على المشرع أن لا ينص على المصالحة في قانون الجمارك لذلك إلتجأ إلى استبدالها بالتسوية الإدارية التي تطورت شيئا فشيئا إلى أن وصلت إلى المصالحة, إذ كانت في بادئ الأمر لا تخص إلا المخالف و أثرها ينصب في الدعوى الجبائية فقط حتى بعد صدور حكم نهائي و من ثم تطورت لتشمل أي شخص متابع بشأن جريمة جمركية , وفي أي مرحلة كانت عليها الدعوى , إلى غاية مطلع سنة 1992 أين حلت المصالحة محل التسوية الإدارية بموجب قانون المالية لسنة 1992 , ولعل من الأسباب التى أدت بالمشرع إلى الرجوع إلى العمل بالمصالحة كونها ليست غريبة عن قانون الجمارك الجزائري , وبالتالي مادام تم تعديل نص المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية التي أصبحت تجيز المصالحة فكان من الضروري التراجع والنص على المصالحة في قانون الجمارك , زيادة كون التحريم كان في ظل النظام الإشتراكي الذي لا يتسامح في الجرائم الماسة بالإقتصاد الوطني .

وسنعمل في دراستنا هذه على إبراز أهم الشروط الموضوعية والإجرائية للمصالحة , وكذا الشروط الواجب توافرها في المتصالحين , وآثارها ضمن المطالب التالية .
المطلب الأول : شروط المصالحة الجمركية .
المصالحة ليست حق لمرتكب الجريمة الجمركية , وإنما هي امتياز تمنحها إدارة الجمارك , لذلك وضع لها المشرع شروط إجرائية وموضوعية لصحتها .
الفرع الأول : الشروط الموضوعية و الإجرائية .

أولا : الشروط الموضوعية :
تتمثل في شرطين أساسيين هما : أن تكون الجريمة قابلة للمصالحة و أن يتم الإتفاق مع من له الحق في المصالحة .
01 - أن تكون الجريمة قابلة للمصالحة :
المبدأ = الأصل أن المصالحة جائزة في جميع الجرائم الجمركية مهما كان وصفها جنحا كانت أو مخالفات وكذلك سواء كانت متعلقة بأعمال التهريب أو بالإستيراد و التصدير بدون تصريح أو بتصريح مزور ولكن هناك إستثناءات لهذا المبدأ نتناولها فيما يأتي .
الإستثناءات = هناك إستثناءات عامة وردت في قانون الجمارك وإستثناءات خاصة متعلقة بالجرائم التي تكون ذات طبيعة مزدوجة , فهي جرائم جمركية من جهة , وجرائم من قانون عام أو خاص من جهة أخرى .
 الإستثناءات العامة : لا يمكن المصالحة في أي حال من الأحوال في الجرائم الجمركية التي تكون فيها البضاعة محل الجريمة من البضائع المحظورة عند الاستيراد أو التصدير , وهذا ما نصت عليه المادة 265 فقرة 03 من قانون الجمارك بقولها : " لا تجوز المصالحة في المخالفات المتعلقة بالبضائع المحظورة عند الإستراد أو التصدير حسب مفهوم الفقرة
الأولى من المادة 21 من هذا القانون " .
غير أن البضائع الخاضعة لقيود عند الجمركة , لا تدخل ضمن ما نصت عليه هذه المادة , لأن المادة 21 تنص على أن البضائع المحظورة هي البضائع التي يمنع استيرادها أو تصديرها بأية صفة كانت , والبضائع المحظورة نوعين , المحظورة حظرا مطلقا و المحظورة حظرا نسبيا .
والمادة 21 السالفة الذكر لم تحدد قائمة هذه البضائع و إنما قبل تعديلها كانت تحيل إلى المرسوم التنفيذي الصادر بتاريخ 28/03/1992 .
1 - البضائع المحضورة حضرا مطلقا :
وهي البضائع التي يمنع استيرادها أو تصديرها بصفة مطلقة , وهي المنتوجات المادية والفكرية , فالمنتجات المادية تشمل على سبيل المثال البضائع ذات علامات منشأ مزور , العملة الوطنية و البضائع التي منشؤها بلد محل مقاطعة تجارية كإسرائيل مثلا .
والمنتجات الفكرية تشمل النشريات الأجنبية التي من شأنها المساس بالآداب العامة وكذا الإشادة بالعنصرية والانحراف وغيرها .
2 - البضائع المحظورة حظرا جزئيا :
وهي البضائع التي تخضع إلى ترخيص من السلطات المختصة من أجل استيرادها أو تصديرها , كالعتاد الحربي والأسلحة والذخيرة والمواد المتفجرة فهي تخضع لترخيص من وزارة الدفاع الوطني , كذلك المخدرات يخضع استيرادها إلى رخصة من وزارة الصحة كون قانون الصحة قد حضر استيراد هذه المواد إلا لأسباب علاجية , كذلك تجهيزات الإتصال إستيرادها موقوف على رخصة من وزارة البريد , و أدوات القياس يخضع استيرادها إلى تأشيرة مصالح القياس .
 الإستثناءات الخاصة :هناك إستثناءات خاصة منها ما جاء في الإجتهاد القضائي , ومنها ما جاء في النصوص التنظيمية الجمركية .
أ - من إجتهاد القضاء :
أبرز القضاء نوع آخر من الجرائم التي لا تجوز فيها المصالحة وهي الجرائم المزدوجة والتي هي من القانون العام والخاص وتقبل وصفا جمركيا فلقد استقر الإجتهاد القضائي على أن المصالحة في هذا النوع لا ينصرف أثرها إلى جريمة القانون العام أو الخاص المرتبطة بها , ومنها على وجه المثال :
 إستيراد وتصدير مخدرات بطريقة غير شرعية .
 إستعمال صفيحة أو قيد تسجيل على مركبة ذات محرك أو مقطورة تحمل رقم مزورا .
 إستراد أو تصدير النقود أو المعادن الثمينة والأحجار الكريمة بطرقة غير شرعية .
فمثل هذه الجرائم تقبل وصفين , جريمة جمركية من جهة وجريمة من جرائم القانون العام أو الخاص من جهة أخرى , وبالتالي فالمصالحة في الجريمة الجمركية لا يستند على الوصف الثاني .
ب- ومن النصوص التنظيمية الجمركية :
صدرت مذكرة عن المدير العام للجمارك رقم 303 مؤرخة في 31/01/1999 تتضمن توجيهات عامة موجهة إلى مسئولي إدارة الجمارك المؤهلين لإجراء المصالحة نصت على أنه : " لا يجوز المصالحة في حالات معينة وهي :
 أعمال التهريب المرتكبة باستعمال أسلحة نارية ,
 الجرائم المتعلقة بتهريب البضائع ذات الإستهلاك الواسع كالسميد , الفرينة , العجائن الغذائية , الخضر الجافة , الزيت , السكر , القهوة , الشاي , الحليب , الطماطم المصبرة , اللحوم الحمراء , الأدوية, القمح , غذاء الأنعام ,الوقود ...
 الجرائم الجمركية المرتكبة من قبل أعوان الجمارك أو أي عون من الأعوان المؤهلين لمعاينة المخالفات الجمركية , أو المتورطين فيها " .

02 - يجب أن يتم الاتفاق مع من له الحق في المصالحة :
يشترط لقيام المصالحة قيام رضاء متبادل بين المتهم و إدارة الجمارك إذ يتعين أن يتفق عليه الطرفان , فالمصالحة كما سبق وأن ذكرنا ليست حقا لأي من الطرفين فلا تملك الإدارة أن تفرضه على المتهم بقرار منها كما أنها غير ملزمة بقبوله إذا طلبه المتهم , و لهذا الأخير قبوله أو رفضه وفقا لما تقتضيه مصلحته وهذا ما جاءت به المادة 265 من قانون الجمارك التي أكدت بصفة واضحة على الطابع الرضائي للمصالحة .
ثانيا : الشروط الإجرائية .
لقيام المصالحة الجمركية لابد أن يقوم الشخص المتابع بتقديم طلب إلى الجهة المؤهلة لذلك وأن توافق على ذلك ما إذا كانت المخالفة المرتكبة من المخالفات التي تستوجب فيها المصالحة أخذ رأي اللجنة الوطنية أو اللجان المحلية للمصالحة , ولا تكون المصالحة نهائية محدثة لأثارها إلا بعد صدور قرار المصالحة .
1/ طلب الشخص المتابع من أجل جريمة جمركية :
- يجب أن يقدم الطلب من الشخص المتابع بجريمة جمركية بالمعنى الواسع , أي بالإضافة إلى مرتكب الجريمة , الشريك و المستفيد من الغش والمصرح لدى الجمارك والموكل والكفيل .
فالطلب في الأصل لا يخضع لأي شكل , لكن من المرسوم التنفيذي رقم 99/195 المؤرخ في : 16/08/1999, المتضمن تحديد و إنشاء لجان المصالحة وتشكيلها وسيرها, يتضح أن الكتابة ضرورية إذا كانت المصالحة تخضع إلى رأي اللجنة الوطنية أو المحلية للمصالحة , إما مصالحة مؤقتة في حالة عرض نقدي مضمون بتقديم كفالة بنسبة 25 % من مبالغ الغرامات , وإما إذعان للمنازعة مكفولا , وهذا الشرط تم تعميمه على كافة طلبات المصالحة ويترتب على عدم تقديم المبلغ عدم قبول الطلب شكلا .
وقد كان قانون الجمارك قبل تعديله بموجب القانون رقم 98/10 يحصر ميعاد المصالحة قبل صدور حكم نهائي , وإثر تعديل القانون صارت المادة 265/8 تجيز المصالحة بعد صدور حكم قضائي نهائي على أن ينحصر أثرها في العقوبات ذات الطابع الجبائي وهما الغرامات والمصادرة الجمركية دون العقوبات ذات الطابع الجزائي كعقوبة الحبس والغرامة البديلة لها في حالة تطبيق الظروف المخففة .
والطلب يوجه حسب طبيعة الجريمة الجمركية ومبلغ الحقوق والرسوم وفق الترتيب الآتي : رؤساء المراكز , فرؤساء المفتشيات , ثم رؤساء مفتشيات الأقسام , فالمديرون الجهويون , وأخيرا المدير العام للجمارك .
2/ موافقة إدارة الجمارك :
المصالحة هي مكنة أجازها المشرع لإدارة الجمارك تمنحها متى رأت إلى الأشخاص الملاحقين الذين يطلبونها ضمن الشروط المحددة عن طريق التنظيم .
وحتى تتجسد المصالحة لا يكفي تقديم الطلب من طرف المخالف فقط وإنما يتعين أن توافق إدارة الجمارك على ذلك وموافقتها هذه تأخذ شكل قرار مصالحة .
ويميز التنظيم الجمركي بين الحالات التي لا تحتاج فيها المصالحة إلى رأي اللجنة الوطنية أو اللجان المحلية والحالات الأخرى التي تخضع إلى رأي اللجان المذكورة .
ويصدر قرار المصالحة من طرف المسؤول المختص ويبلغ إلى مقدم الطلب في ظرف خمسة عشر يوم من تاريخ صدوره , ويمنح أجلا محدد للدفع , وفي حالة عدم امتثاله فإن الملف يحال إلى القضاء من أجل المتابعة.
ويتضمن قرار المصالحة على وجه الخصوص البيانات التالية : أسماء وصفات الأطراف المتصالحة , تاريخ إنعقاد المصالحة , وإمضاء الأطراف والإتفاق المتوصل إليه وشروط المصالحة, وقبولها من طرف
صاحب الطلب وكذا رقم إيصال دفع المبلغ المتصالح عليه و وصف المخالفة والنصوص المطبقة عليها والعقوبات المقررة لها .
الفرع الثاني : الشروط المتعلقة بأطراف المصالحة .
لكي تكون المصالحة صحيحة منتجة لأثارها بين الإدارة والشخص محل المتابعة ينبغي أن تكون الإدارة المعنية ممثلة بشخص مختص قانونا لإجراء المصالحة ومؤهل لهذا الغرض وأن يتمتع الشخص المتصالح مع الإدارة بالأهلية اللازمة لعقد الصلح , وهذا ما سنتطرق إليه .
I. الإدارة :
يجب أن يكون ممثل الإدارة الذي يجري المصالحة مختصا , وإلا كانت باطلة , ولقد رخصت المادة 265/02 لإدارة الجمارك إجراء المصالحة ولم يحدد قانون الجمارك قائمة مسئولي إدارة الجمارك المؤهلين لإجرائها ولا مستويات اختصاصهم , بل أحال إلى التنظيم .
وبالرجوع إلى القرار الصادر عن وزير المالية بتاريخ 22/06/1999 , وكذا إلى المرسوم التنفيذي رقم 99/195 المؤرخ في 16/08/1999 نجدهما يحددان قائمة مسئولي إدارة الجمارك المؤهلين لإجراء المصالحة ونطاق اختصاص كل منهم .
أ/ ممثلو إدارة الجمارك المؤهلون لإجراء المصالحة :
كان قانون الجمارك قبل تعديله بموجب القانون 98/10 يمنح حق التصالح للوزير المكلف بالمالية الذي يحدد بدوره بقرار منه قائمة مسئولي إدارة الجمارك المؤهلين لإجراء المصالحة , ولكن وعلى إثر تعديل نص المادة 265/02 أصبحت المصالحة حق أصلي لإدارة الجمارك تمارسه مباشرة وبحكم القانون وليس على سبيل التفويض من وزير المالية أو عن طريق الانتداب , غير أن وزير المالية إحتفظ بحق تحديد قائمة
مسؤلي إدارة الجمارك المؤهلين لإجراء المصالحة حيث أحالت المادة 265/02 إلى قرار وزير المالية بشأن هذه المسألة .
وقد حدد قرار وزير المالية المؤرخ في 22/06/1999 السالف الذكر قائمة مسئولي إدارة الجمارك المؤهلين لإجراء المصالحة مع الأشخاص المتابعين بسبب مخالفات جمركية وكذا اختصاصهم على النحو التالي :
01 - المدير العام للجمارك :بمكن للمدير العام للجمارك التصالح قبل أو بعد حكم نهائي في فئة من المخالفات تارة دون الحاجة إلى استشارة اللجنة الوطنية للمصالحة وتارة أخرى بعد أخذ رأيها وذلك حسب صفة مرتكب المخالفة الجمركية ومبلغ الحقوق والرسوم المتملص منها أو المتغاضي عنها .
واللجنة الوطنية للمصالحة تتواجد في مقر المديرية العامة للجمارك وتتشكل من :
• المدير العام للجمارك أو ممثله رئيسا .
• مديرو المنازعات و التشريع والتنظيم والتقنيات الجمركية, القيمة والجباية , مكافحة الغش ,أعضاء .
• المدير الفرعي للمنازعات , مقررا .
02 – المد راء الجهويين : يمكنهم التصالح قيل أو بعد حكم نهائي في فئة من المخالفات , تارة دون حاجة إلى استشارة اللجنة المحلية للمصالحة , وتارة أخرى بعد أخذ رأيها وهذا حسب صفة مرتكب المخالفة ومبلغ الحقوق والرسوم المتملص أو المهرب من دفعها.
توجد لجنة محلية للمصالحة في مقر كل مديرية جهوية وتتشكل من :
• المدير الجهوي للجمارك رئيسا .
• المدير الجهوي للمساعد للشؤون التقنية , رئيس مفتشية الأقسام المختص إقليميا , رئيس المكتب الجهوي لمكافحة الغش , أعضاء .
• رئيس المكتب الجهوي للمنازعات , مقررا .
03 – رؤساء مفتشيات الأقسام للجمارك :يمكنهم التصالح قبل حكم نهائي فقط في فئة معينة من المخالفات .
04 - رؤساء المفتشيات الرئيسية : يمكنهم التصالح قبل حكم نهائي فقط في فئة من المخالفات
05 – رؤساء المراكز : يمكنهم كذلك التصالح قبل حكم نهائي فقط في فئة معينة من المخالفات .
ب/ الأشخاص المرخص لهم بالتصالح مع الإدارة :
نصت المادة 265 الفقرة 02 من قانون الجمارك على أنه يمكن إجراء مصالحة مع الأشخاص المتابعين بسبب المخالفات الجمركية بناءا على طلبهم .
و الأشخاص المتابعين بسبب المخالفات لها مفهوم واسع فهو يشمل كل من إرتكب المخالفة والشريك والمستفيد من الغش وكذلك المسؤول المدني , وكذلك مرتكب المخالفة في حد ذاتها يشمل كل من الحائز والناقل والوكيل لدى الجمارك والمتعهد , والمسؤول المدني يشمل المالك والكفيل أوالضامن .
II. الأهلية اللازمة لإجراء المصالحة :
أولا = الشخص الطبيعي :
للبالغ الذي يتمتع بقواه العقلية غير المحجور عليه أن يجري المصالحة مع الإدارة , و لكن يثار التساؤل حول مفهوم البالغ نظرا لإختلاف سن الرشد في القانونين الجزائي والمدني , حيث يكون سن الرشد في الأول ببلوغ الثامنة عشرة , وببلوغ سن التاسعة عشرة في القانون المدني ؟
و للإجابة عن هذا التساؤل نرجع إلى طبيعة المصالحة , فإذا اعتبرناها ذات طابع مدني فنطبق أحكام القانون المدني, فإذا أخذنا بالطابع الجزائي طبقنا القانون الجزائي , لكن منطقيا ما دام الشخص يسأل جزائيا فنأخذ بسن الرشد الجزائي وهو الثامنة عشرة .
أما إذا كان الشخص قاصرا بالغا سن الثالثة عشرة ( 13 )ولم يبلغ الثامنة عشرة ( 18 ) فالمصالحة تكون عن طريق مسؤوله المدني , أما إذا لم يكن يبلغ من العمر سن الثالثة عشرة فلا مجال للحديث عن المصالحة فيما يخصه لأنه لا يسأل جزائيا .
ثانيا = الشخص المعنوي :
إن قانون الجمارك يستبعد ضمنيا المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عندما يتصرف بصفته وكيلا لدى الجمارك ومن ثمة فإن المسير هو الذي يتحمل المسؤولية الجزائية .
أما إذا كان الشخص المعنوي مؤسسة إقتصادية عامة أو خاصة ويمارس نشاطا تجاريا , فإن المسير يحق له إجراء المصالحة بإسم المؤسسة بصفته وكيلا قانونيا عنها, على أن يعرض الأمر على مجلس الإدارة أوباقي الشركاء .

المطلب الثاني : آثار المصالحة الجمركية .
تختلف آثار المصالحة في المجال الجمركي بإختلاف المرحلة التي تتم فيها , سواء قبل صدور حكم نهائي أو بعده وهذا ما سنتناوله في الفرعين التاليين .

الفرع الأول : آثار المصالحة فبل صدور حكم قضائي نهائي .
أجاز قانون الإجراءات الجزائية في المادة السادسة إنقضاء الدعوى العمومية بالمصالحة , فنصت على أن الدعوى العمومية تنقضي بالمصالحة إذا كان القانون يجيزها صراحة .

ومما لا شك فيه ان الأثر الأساسي المترتب على المصالحة الجمركية بالنسبة لمرتكب المخالفة هو انقضاء الدعويين الجبائية والعمومية ومحو آثار الجريمة , ولقد صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 06/11/1994 قضى بأن المصالحة الجمركية تؤدي إلى إنقضاء الدعوى العمومية .
كما ورد في تعديل نص المادة 265 من قانون الجمارك بموجب القانون 98/ 10 و حيث صارت الفقرة الثامنة تنص صراحة على إنقضاء الدعويين العمومية والجبائية بالمصالحة عندما تجري قبل صدور حكم نهائي.
فإذا تمت المصالحة قبل إرسال الملف إلى القضاء فإن الملف يحفظ على مستوى الإدارة , وإذا كان الملف على مستوى النيابة وتمت الصالحة فإن النيابة تحفظ الملف , و أما إذا كان على مستوى قاضي التحقيق أو غرفة الإتهام فإنه يتم إصدار أمرا أو قرارا بأن لا وجه للمتابعة , في حين إذا كانت القضية أمام جهة الحكم فإنه يتعين التصريح بإنقضاء الدعوى العمومية وليس البراءة , وإذا كانت القضية أمام المحكمة العليا , فتصرح برفض الطعن بسبب المصالحة .
الفرع الثاني : آثار المصالحة بعد صدور حكم نهائي .
المصالحة التي تجري بعد صدور حكم نهائي لا يترتب عليها أي أثر فيما يخص العقوبات السالبة للحرية أو الغرامات الجزائية أو المصاريف الأخرى , ومن ثم ينحصر أثرها في الجزاءات الجبائية ولا ينصرف إلى العقوبات الجزائية , فقد كانت المادة 265-05 من قانون الجمارك قبل تعديلها بموجب القانون 98/ 10 , تشترط أن تكون المصالحة الجمركية قبل صدور حكم قضائي نهائي , ولكن إثر تعديل نص هذه المادة حيث أصبحت فقرتها الثامنة تجيز المصالحة بعد صدور حكم نهائي .

وبالتالي فإن آثار المصالحة تختلف بإختلاف المرحلة التي تمت خلالها فإذا كانت قبل صدور حكم نهائي فإن المصالحة تمحوا آثار الجريمة ولا يبقى منها شيئ , فلا تقيد الجريمة في صحيفة السوابق القضائية ولايعتد بها لإحتساب العود , وأن المصالحة التي تتم بعد صدور حكم قضائي نهائي فإن أثرها لا يمتد إلا للجزاءات الجبائية دون العقوبات الجزائية التي تبقى قائمة.
المبحث الثاني : المصالحة في قانون الصرف .
لقد مرت المصالحة في جرائم الصرف بثلاثة مراحل نوردها فيما يلي :
o مرحلة الإجازة : وإمتدت من سنة 1963 إلى غاية 1969 وكانت هذه المرحلة على فترتين :
 الأولى : خلال هذه الفترة كانت جرائم الصرف تخضع للأمر رقم 45/1088 المؤرخ في : 30/05/1945 وهو تشريع فرنسي , حيث كان يجيز المصالحة في جرائم الصرف .
 الثانية : حيث أجازت المادة 53 من قانون المالية لسنة 1970 للوزير المكلف بالمالية والتخطيط أو أحد ممثليه المؤهلي إجراء مصالحة مع مرتكبي جرائم الصرف ضمن الشروط التي حددها الوزير.
o مرحلة التحريم : وإمتدت من 1975 إلى سنة 1986 حيث تم تكريس هذا التحريم بإلغاء قانون المالية لسنة 1970 وصدور الأمر رقم 75/46 المؤرخ في 17/06/1975 المعدل والمتمم للأمر رقم 66 /165 المؤرخ في :08/06/1966 المتضمن قانون اللإجراءات الجزائية وبموجبه تم تعديل الفقرة الأخيرة من المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية التي كانت تجيز المصالحة في المواد الجزائية بالنص صراحة على تحريم المصالحة في المسائل الجزائية .
o مرحلة إعادة الإجازة : و امتدت من 1987 إلى غاية سنة 1996 , وكانت هذه المرحلة على ثلاثة فترات :
 الاولى : حيث أجازت المادة 103 من قانون المالية لسنة 1987 لوزير المالية إجراء مصالحة مع مرتكبي جرائم الصرف عندما تتعلق بالنقود بالعملة الأجنبية القابلة للتحويل , فخلال هذه الفترة عرفت المصالحة إجازة مشروطة .
 الثانية : عرفة هذه الفترة إتساعا في مجال تطبيق المصالحة في جرائم الصرف وذلك من خلال تعديل المادة 265 من قانون الجمارك بموجب قانون المالية لسنة 1992 التي أصبحت تجيز المصالحة في المواد الجمركية , وكذلك تعديل المادة 340 من نفس القانون بموجب القانون 90/16 المؤرخ في 08/07/1990, وذلك بإزالة أي لبس عن إستقلال مخالفة التنظيم النقدي المنصوص عليه في قانون العقوبات عن المخالفة الجمركية من حيث العقوبات .
 الثالثة : حيث أصبحت المصالحة جائزة في كل جرائم الصرف في مختلف صورها , وذلك بصدور الأمر رقم 96/22 المؤرخ في 09/07/1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال .
بعد التطرق إلى المراحل التي مرت بها المصالحة في مجال الصرف سوف نبين شروطها والأشخاص المرخص لهم بالتصالحة مع الإدارة ثم آثارها في المطالب التالية .

المطلب الأول : شروط المصالحة في مجال الصرف .
تخضع المصالحة في مجال الصرف إلى شروط موضوعية وإجرائية , وكذا إلى شروط أخرى تتعلق بأطراف المصالحة نوردها فيما يلى :

الفرع الأول : الشروط الموضوعية والإجرائية .
أ – الشروط الموضوعية : حسب نص المادة التاسعة من الأمر رقم 96/22 المؤرخ في 09/07/1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال فإن المصالحة جائزة في مختلف صور جرائم الصرف .
غير أنه استثناء على ذلك فقد نصت المادة العاشرة من نفس الأمر على عدم جواز إجراء المصالحة مع المتهم الذي يكون في حالة عود , ففي هذه الحالة تحال مباشرة محاضر معاينة الجريمة إلى نيابة الجمهورية من أجل المتابعة القضائية .
ولكن ما يقصد بحالة العود ؟
يأخذ مفهوم العود مدلولين إثنين هما , سبق الإدانة من أجل جنحة من جنح الصرف , أو سبق التصالح من أجل إرتكاب جنحة من جنح الصرف , ويستشف ذلك من أحكام المادة الثالثة من المرسوم التنفيذي 97/285 المؤرخ في : 14/07/1997 المتضمن تحديد شروط إجراء المصالحة في مجال مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج .
ولكن إثر تعديل نص المادة العاشرة المذكورة أصبحت المصالحة جائزة حتى مع متهم في حالة عود .
ب – الشروط الإجرائية : تتمثل هذه الشروط فيما يلي :
01 – طلب مرتكب المخالفة : يمكن لمرتكب جريمة الصرف أن يطلب إجراء مصالحة وذلك حسب نص المادة 02 من المرسوم رقم 03/111 المؤرخ في 05/03/2003 المحدد لشروط إجراء المصالحة في مجال جرائم الصرف وتنظيم اللجنة الوطنية واللجنة المحلية للمصالحة وسيرها , فما هي هذه الشروط ؟
1.  شكل الطلب : الأصل أن يكون الطلب كتابيا , وإن كان المرسوم السالف الذكر لم يفر الكتاية صراحة ولا يشترط في الطلب صيغة أو عبارة معينة , كما يجب أن يقدم الطلب من مرتكب المخالفة شخصيا إذا كان شخصا طبيعيا ومن المسؤول المدني إذا كان مرتكب المخالفة قاصرا , ومن ممثله الشرعي إذا كان الفاعل شخصا معنويا .
2.
3.  ميعاد تقديم الطلب : يستنتج من المادة التاسعة مكرر من الأمر 96/22 المعدل والمتمم بالأمر 03/111 أن طلب إجراء المصالحة يقدم في أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ معاينة المخالفة , لكن ما مصير الطلب المقدم بعد إنقضاء مهلة الثلاثة أشهر من تاريخ معاينة المخالفة ؟ , يتبين من الفقرة الأخيرة من المادة 09مكرر السالفة الذكر أنه يجوز إجراء المصالحة حتى بعد مباشرة المتابعات و إلى غاية صدور حكم قضائي نهائي .
4.  ضرورة إيداع كفالة : حسب نص المادة 03 من المرسوم 03/111 فإنه يجب على مقدم الطلب أن يقوم بإيداع كفالة تمثل 30% من قيمة محل الجنحة لدي المحاسب العمومي المكلف بالتحصيل قبل النظر في طلب المصالحة .

2- موافقة الإدارة : إن تحديد الجهة المخول لها سلطة الموافقة على المصالحة يخضع إلى قيمة محل الجنحة وذلك كما يلي :
أ – إذا كانت قيمة محل الجنحة لا تتجاوز 500 ألف دينار جزائري , أو إذا أرتكبت المخالفة دون علاقة بعملية للتجارة الخارجية :
هنا يوجه طلب المصالحة إلى اللجنة المحلية للمصالحة التي تتكون من مسؤول الخزينة في الولاية رئيسا , ومسؤول الجمارك في الولاية عضوا , ومدير البنك المركزي بمقر الولاية عضوا هو الآخر .
يتم إستدعاء أعضاء اللجنة المحلية للمصالحة من رئيسها , ويتم إعلامهم بالملفات الواجب دراستها قبل عشرة أيام على الأقل من تاريخ الإجتماع , وتتخذ قرارات اللجنة المحلية للمصالحة بأغلبية أصوات أعضائها .
وترسل نسخة من مقرر المصالحة الممنوحة إلى وزير المالية ويبلغ مقرر منح المصالحة أو رفضها في خلال
15 يوم التي تلي إمضاءه بموجب محضر تبليغ أو رسالة موصى عليها لا مع وصل استلام أو أية وسيلة قانونية أخرى .
وحسب المادة 09 من المرسوم التنفيذي 03/111 يتحدد مبلغ المصالحة بتطبيق نسبة متغيرة تتراوح ما بين 200% و 250% من قيمة محل الجنحة , والمشرع هنا لم يميز بين الشخص الطبيعي والمعنوي .
ويمنح لمرتكب المخالفة أجل 20 يوم إبتداءا من تاريخ إستلام مقرر المصالحة لدفع مبلغها وإلا تودع ضده شكوى لدى الجهة القضائية المختصة , وعندما يرفض طلب المصالحة ترد الكفالة إلى المخالف .
ب – إذا كانت قيمة محل الجنحة تتجاوز 500 ألف دينار جزائري :
هنا يوجه طلب المصالحة إلى اللجنة الوطنية للمصالحة والتي تتكون من : ممثل رئاسة الجمهورية رئيسا , وممثل عن رئاسة الحكومة , و وزير المالية وكذا محافظ بنك الجزائر أعضاءا , ونميز هنا بين حالتين :
5.  الحالة الأولى : إذا كانت قيمة محل الجنحة تتجاوز 500 ألف دينار وتقل عن 50 مليون دينار , فهنا اللجنة تتخذقراراتها بأغلبية الأصوات , وفي حالة التساوي يرجح صوت الرئيس طبقا للمادة 07 من المرسوم 03/111 , وحسب نص المادة الرابعة منه فإنه لتحديد مبلغ المصالحة لا بد من التميز بين ما إذا كان مرتكب المخالفة شخصا طبيعيا أو معنويا , فإذا كان طبيعيا فمبلغ المصالحة يتحدد بتطبيق نسبة متغيرة تتراوح مابين 200% و 400% من قيمة محل الجنحة , وإن كان المخالف شخصا معنويا فمبلغ المصالحة يتحدد بتطبيق نسبة تتراوح مابين 400% و700% من قيمة محل الجنحة دائما .
6.  الحالة الثانية : إذا كانت قيمة محل الجنحة تساوي 50 مليون دينار أو تفوقها , في هذه الحالة وحسب نص المادة 05 من المرسوم 03/111 تبدي اللجنة الوطنية للمصالحة رأيا مسببا وترسل الملف إلى الحكومة لإتخاذ القرار في مجلس الوزراء , ويجب أن لا يقل مبلغ المصالحة الذي تقترحه اللجنة الوطنية للمصالحة في رأيها عن ضعف قيمة محل الجنحة بالنسبة للشخص الطبيعي وعن أربعة أضعاف عن هذه القيمة بالنسبة للشخص المعنوي .



الفرع الثاني : الشروط المتعلقة بأطراف المصالحة .
يتمثل أطراف المصالحة في الإدارة من جهة وطالب المصالحة من جهة أخرى , فمن هم الأشخاص المؤهلين قانونا بإجراء المصالحة , ومن هم الأشخاص المرخص لهم بالتصالح مع الإدارة ؟
I. الإدارة :
حددت أحكام الأمر 96/22 المعدل والمتمم , وكذا احكام المرسوم 03/111 المؤهلين قانونا لاجراء المصالحة وذلك كما يلي :
1. اللجنة المحلية للمصالحة : وتتكون من مسؤول الخزينة في الولاية رئيسا , مسؤول الجمارك في الولاية ومدير البنك المركزي في مقر الولاية اعضاءا , وحتى تكون هذه الجنة مؤهلة لاجراء المصالحة يجب ان تكون قيمة محل الجنحة لاتتجاوز 500 ألف دينار إذا ارتكبت المخالفة دون علاقة بعملية للتجارة الخارجية , وتتخذ هذه الجنة قراراتها بأغلبية الأصوات وترسل نسخة من مقرر المصالحة الى وزير المالية .
2. اللجنة الوطنية للمصالحة : وتتكون من ممثل رئاسة الجمهورية رئيسا , وممثل رئاسة الحكومة ,ووزير المالية ومحافظ بنك الجزائر أعضاءا , وحتى تكون هذه اللجنة مختصة بإجراء المصالحة يجب أن تكون قيمة محل الجنحة تتجاوز 500 ألف دينار وتقل عن 50مليون دينار ,وتتخذ هذه اللجنة قراراتها بأغلبية أصوات أعضائها , وفي حالة التساوي يرجح صوت الرئيس .
3. الحكـــومة : إذا كانت قيمة محل الجنحة تساوي 50 مليون دينار أو تفوقها , تبدي اللجنة الوطنية للمصالحة رأيا مسببا فقط , وترسل الملف إلى الحكومة لاتخاذ القرار في مجلس الوزراء وهذا ما نصت عليه المادة 05 من المرسوم 03/111 .
II. الاشخاص المرخص لهم بالتصالح مع الإدارة :
حسب أحكام الأمر 96/22 فإنه يمكن لمرتكب المخالفة الذي قد يكون شخص طبيعي او معنوي طلب التصالح مع الإدارة .
1. الشخص الطبيعي : يجب أن يكون متمتع بالأهلية المطلوبة لمباشرة حقوقه المدنية وأن يكون بالغ سن الرشد الجزائي , وحسب المادة 02 /02 من المرسوم 03/111 إذا كان مرتكب المخالفة قاصر وبلغ سن الثالثة عشر من عمره , فإنه يمكنه التصالح عن طريق مسؤوله المدني , وإذا لم يبلغ هذه السن بعد فلا يسأل جزائيا وبالتالي لا مجال للحديث عن المصالحة فيما يخصه
2. الشخص المعنوي : حسب نص المادة الأخيرة فإنه إذا كان مرتكب المخالفة شخصا معنويا يجوز له التصالح مع الإدارة بواسطة ممثله الشرعي والقانوني .
المطلب الثاني : آثار المصالحة في جرائم الصرف .
يترتب عن على المصالحة آثار تخص المتهم والغير نتناولها في الفرعين التاليين :
الفرع الأول : آثار المصالحة بالنسبة للمتهم .
تتمثل آثار المصالحة بالنسبة للمتهم فيما يلي :
1. - إنقضاء الدعوى العمومية :
2. يترتب على المصالحة إنقضاء الدعوى العمومية حسب المادة 09 مكرر من الأمر 96/22 المعدل و المتمم بالأمر 03/01 , وذلك سواء تمت المصالحة قبل المتابعة القضائية أو بعدها أو حتى بعد صدور حكم قضائي ما لم يحز على قوة الشيئ المقضي , فإذا حصلت المصالحة قبل المتابعة فيحفظ الملف على مستوى الإدارة المعنية ,أما إذاحصلت المصالحة بعد المتابعة القضائية فيمكن تصور مايلي :
3.
1. - إذا كانت القضية على مستوى النيابة ولم يتخذ بشأنها أي إجراء يحفظ الملف على مستوى النيابة .- إذا كانت القضية أمام قاضي التحقيق أو غرفة الإتهام تصدر الجهة المختصة أمرا أو قرارا بأن لا وجه للمتابعة بسبب حصول المصالحة .
2. - إذا كانت القضية أمام جهات الحكم فإنه يحكم بانقضاء الدعوى العمومية بفعل المصالحة , ولا يحكم بالبراءة .
3. - إذا كانت القضية أمام المحكمة العليا يتعين عليها التصريح برفض الطعن بسبب المصالحة بعد التأكدمن وقوعها .
- أثر التثبيت : ونقصد بذلك تثبيت الحقوق التي إعترف بها المخالف للإدارة أو التي اعترفت بها الإدارة للمخالف , ولكن غالبا ما يكون أثر تثبيت الحقوق محصورا على الإدارة .
ولم يحدد المشرع مقابل المصالحة وأحال بهذا الخصوص على التنظيم وترك للإدارة الحرية في تحديده , إذ اكتفى بوضع الحدين الأدنى والأقصى حسب ما سبق بيانه وفقا للمادتين 04 , 09 من المرسوم التنفيذي رقم 03/111.
ويبين في مقرر المصالحة تخلي مرتكب المخالفة على محل الجنحة وعلى وسائل النقل , فتنتقل ملكيتها إلى الخزينة العامة والأملاك العامة .
الفرع الثاني : آثار المصالحة بالنسبة للغير .
يقصد بالغير هنا الفاعلون الآخرون والشركاء , فهل ينتفع الغير بالمصالحة ولا يضار منها ؟
أ – لا ينتفع الغير بالمصالحة :
تنحصر آثار المصالحة على من يتصالح مع الإدارة وحده ولا تمتد للفاعلين الآخرين الذين إرتكبوا معه نفس المخالفة , ولا إلى شركائه , و إذا تمت المصالحة مع أحد المخالفين فإنه تتم متابعة الاشخاص الآخرين الذين ساهموا معه في إرتكاب المخالفة , ولكن هل القضاء ملزم بالحكم على المتهمين غير المتصالحين بكامل الجزاءات المالية المقررة قانونا للمخالفة المرتكبة أم أنه عليه بخصم المبلغ الذي دفعه المتهم المتصالح ؟
تعاقب المادة 01 مكرر من الأمر 96/22 على جنح الصرف بمصادرة البضاعة محل الجنحة ووسيلة النقل المستعملة في الغش , و إذا لم تحجز الأشياء المراد مصادرتها أو لم يقدمها المتهم لسبب ما يتعين على الجهة القضائية المختصة أن تقضى على المدان بغرامة تقوم مقام المصادرة وتساوي قيمة هذه الأشياء , فإذا ضبط شخصان بمكتب جمركي عند الحدود وهما يحوزان على مبالغ مالية بالعملة الصعبة مخبأة داخل سيارة , ويقوم أحدهما وهو صاحب السيارة بإجراء مصالحة مع إدارة الجمارك فيتخلى على إثرها على سيارته وعلى كامل المبلغ المالي , فهل يحكم على الفاعل الثاني في حالة متابعته قضائيا بغرامة تساوي قيمة العملة الصعبة و وسيلة النقل تقوم مقام مصادرتهما , أم أنه يحكم عليه بالحبس والغرامة الجزائية دون الجزائين المذكورين ؟
يرى الأستاذ أحسن بوسقيعة أنه يجوز هنا الحكم على المتهم بالحبس والغرامة الجزائية فقط على أساس أنه لا يجوز مصادرة الشيئ مرتين , وهذا ما إستقرت عليه المحكمة العليا قبل صدور الأمر رقم 96/22 .
4.
5.
6. ب- لا يضار الغير من المصالحة :
7. إذا ما أبرم أحدالمتهمين مصالحة مع الإدارة فإن شركائه والمسؤولين مدنيا لا يلزمون بما يترتب على تلك المصالحة من آثار في ذمة المتهم الذي عقدها .
وإذا أخل أحد المتهمين بالتزاماته لا يجوز للإدارة الرجوع على أي منهما , ما لم يكن من يرجع إليه ضامنا له او متضامنا معه , أو أن المتهم كان قد باشر المصالحة و بصفته وكيلا عنه , كما أنه لا تلزم المصالحة المضرور ولا تسقط حقه في التعويض لإزالة الضرر الذي أصابه بسبب المخالفة .
و اعتراف المتهم الذي تصالحت معه الإدارة بارتكاب المخالفة لا يشكل دليلا لإثبات إذناب باقي شركائه .
المبحث الثالث : المصالحة في قانون المنافسة والأسعار .
نظم القانون رقم 04/02 المؤرخ في 23/06/2004 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية المصالحة في الجرائم المنصوص عليها فيى هذا القانون.
وتجدر الاشارة الى أنه كانت المصالحة المتعلقة بالمنافسة نص عليها الامر 95 / 06 المؤرخ في 25 /01 /1995 المتعلق بالمنافسة ، وإثر صدور قانون المنافسة الجديد رقم 03/03 المؤرخ في 19 /07/2003 - لم يتناول في نصوصه المصالحة – و ألغى الأمر 95/06 ، ولقد كان هذا الاخير يضم في أحكامه القواعد المتعلقة بالممارسة التجارية , إلا أنه صدر قانون مستقل رقم 04/02 والذي تناول المصالحة في الجرائم المتعلقة بمخالفة القواعد المطبقة على الممارسات التجارية و عالج أحكام المصالحة في الجرائم التي ترتكب مخالفة لقواعد هذا القانون , و حدد شروطها وآثارها ونتناولهما بالتفصيل في المطلبين التاليين .
المطلب الأول : شروط المصالحة .
تتضمن شروطا موضوعية , وأخرى إجرائية نتطرق إليها في الفرعين المواليين :
الفرع الأول : الشروط الموضوعية .
حصر القانون رقم 04/02 المؤرخ في 23/06/2004 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية في المادة 60 منه مجال المصالحة في جرائم مخالفة القواعد المتعلقة بالممارسات التجارية , والمادة من القانون المذكور أعلاه تشترط لإجراء المصالحة في هذه الجرائم توفر شروط منها ما يتعلق بطبيعة الجريمة وأخرى تتعلق بمرتكب الجريمة .
أولا = الشروط المتعلقة بطبيعة الجريمة :
يستشف من تلاوة نص المادة 60 من ا القانون رقم 04/02 المؤرخ في 23/06/2004 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية ان المصالحة جائزة في جرائم ممارسة التجارة , وبالرجوع إلى نص القانون نجد أن المشرع قد صنف الجرائم المخالفة لقواعد الممارسات التجارية الى الفئات التالية :
01 – عدم الاعلام بشروط البيع , ونصت عليها المادة 32 من القانون السالف الذكر وعقوبتها هي من 10 ألاف دينار الى 100 الف دينار .
02 – عدم الفوترة : نصت عليها المادة 33 وعقوبتها هي 80 بالمئة من المبلغ الذي كان يجب فوترته .03 – عدم مطابقة الفوترة : المادة 34 وعقوبتها غرامة من 10 ألاف الى 50 ألف دج .
04 – ممارسات تجارية غير شرعية :ومنصوص عليها في المادة 35 وهي تتعلق بالمخالفات المنصوص عليها في المواد من 15 الى 20 والعقوبة المقررة لهذه المخالفات هي الغرامة من 100 ألف الى 3 ملايين دج.
05 – ممارسات أسعار غير شرعية : ومنصوص عليها في المادة 36 وهي تتعلق بالمخالفات المنصوص عليها في المادتين : 22 , 23 وعقوبتها الغرامة من 20 ألف الى 200 ألف دج .
06 – الممارسات التجارية التدليسية : ومنصوص عليها في المادة 37 وهي تتعلق بمخالفة أحكام المادتين :
24 ,25 وعقوبتها الغرامة من 300 ألف الى 10 ملايين دينار .
07 – الممارسات التجارية غير النزيهة والممارسات التعاقدية التعسفية ومنصوص عليها في المادة 38 وهي تتعلق بالمخالفات المنصوص عليها في المواد 26, 27 ,28 ,29 وعقوبتها الغرامة من 50 ألف الى 5 ملايين دج .
وبالرجوع إلى مجمل هذه المخالفات نجدها كلها تخضع للمصالحة , ما عدا الجرائم النصوص عليها في المواد : 37 , 38 والمتعلقة بالممارسات التجارية التدليسية وكذا الممارسات التجارية غير النزيهة والممارسات التعاقدية التعسفية كون عقوبتها تتجاوز المبلغ المحدد في المادة 60 لإجراء المصالحة ,
حيث تنص الفقرة الاخيرة من هذه المادة : " عندما تكون المخالفة المسجلة في حدود غرامة تفوق ثلاثة ملايين – 3.000.000 دج - , فإن المحضر المعد منطرف الموظفين المؤهلين يرسل مباشرة من طلرف المدير الولائي المكلف بالتجارة الى وكيل الجمهورية المختص إقليميا قصد المتابعات القضائية " .
وتجدر الملاحظة أن المادة 33 تحدد مبلغ الغرامة بنسبة 80 بالمئة من المبلغ الذي يجب فوترته ومن ثمة تخضع للمصالحة بحسب ما إذا كانت هذه النسبة من المبلغ تشملها حكم المادة 60 .

ثانيا = الشروط المتعلقة بمرتكب الجريمة :
تنص المادة 62 من القانون 04/02 السالف الذكر على أنه " في حالة العود حسب مفهوم المادة 47 الفقرة 02 من هذا القانون لا يستفيد مرتكب المخالفة من المصالحة , ويرسل المحضر مباشرة من طرف المدير الولائي المكلف بالتجارة الى وكيل الجمهورية المختص إقليميا قصد المتابعات القضائية " .
يستشف من هذه المادة أن المصالحة في مجال مخالفة قواعد ممارسة التجارة غير جائزة إذا كان مرتكبها في حالة عود , ويعتبر في حالة عود في مفهوم هذا الأمر التاجر الذي يقوم بمخالفة جديدة رغم صدور عقوبة في حقه منذ أقل من سنة سواء من قبل السلطة الإدارية أو من قبل القضاء .
وهكذا وطبقا لنص المادة 47 الفقرة 02 يأخذ مفهوم العود مدلولين إثنين :
 من سبق الحكم عليه قضائيا بسبب جريمة من جرائم المنافسة منذ أقل من سنة , وإذا كان هذا المفهوم ينسجم عموما مع أحكام القانون العام فإنه خرج عليه من حيث عدم إشتراطه صدور حكم يقضي بعقوبة الحبس وعدم إشتراطه إنقضاء مدة 05 سنوات بين الحكم الأول وإرتكاب الجريمة الثانية .
 من سبق وأن صدرت ضده عقوبة من قبل السلطة الإدارية بسبب جريمة من جرائم المنافسة منذ أقل من سنة , وهنا نجد أن المشرع خرج كليا على أحكام قانون العقوبات بحيث ربط حالة العود بعقوبة إدارية , وهي الجزاءات التي لا يأخذ بها قانون العقوبات عند تقرير حالة العود .

الفرع الثاني : الشروط الإجرائية .
إن المصالحة في جرائم مخالفة قواعد ممارسة التجارة كما هو الحال بالنسبة لجرائم الصرف والجمارك , ليست حقا لمرتكب الجريمة ولا هي إجراء إلزامي بالنسبة للإدارة المكلفة بالتجارة و مخالفة قواعد ممارسة التجارة , وإنما هي مكنة جعلها المشرع في متناولهما , بحيث يجوز للمخالف أن يطلب الإستفادة منها , ويجوز للوزير المكلف بالتجارة وممثله على مستوى الولاية إجراؤها , ونتناول هذه الشروط فيمايلي :
01 – طلب مرتكب المخالفة :
تنص المادة 60 من القانون السابق في فقرتها الثانية والثالثة على أنه يجوز للوزير المكلف بالتجارة أو المدير الولائي المكلف بالتجارة أن يقبل بمصالحة إذا كانت الغرامة المقررة للمخالفة المعاينة في حدود المبالغ المحددة في نص هذه المادة .
وتضيف المادة 61 في فقرتها الأخيرة أنه : " في حالة عدم دفع الغرامة في أجل 45 يوم إبتداءا من تاريخ الموافقة على المصالحة يحال الملف على وكيل الجمهورية المختص إقليميا قصد المتابعات القضائية " , يستشف من تلاوة الفقرتين ولاسيما عبارتي " يقبل" و " في حالة الموافقة " , أن المصالحة في مجال جرائم مخالفة قواعد ممارسة التجارة تتم بناءا على طلب مرتكب المخالفة الذي من الأفضل أن يكون كتابيا يعبر فيه صراحة عن إرادته في المصالحة .
ورغم عدم النص عليه صراحة يشترط أن يقدم الطلب من مرتكب المخالفة شخصيا إذا كان شخصا طبيعيا , ومن المسؤول المدني إذا كان مرتكب المخالفة قاصرا , ومن ممثله الشرعي إذا كان شخصا معنويا .
لم يحدد المشرع ميعادا معينا لتقديم الطلب , غير أنه يستشف من تلاوة الفقرة الأخيرة من المادة 61 من القانون 04/02 أنه على مرتكب المخالفة أن يقدم طلبه بإجراء المصالحة في أجل اقصاه 45 يوما من تاريخ معاينة المخالفة .
كما تنص الفقرة المذكورة على أنه في حالة عدم الموافقة على المصالحة يحال الملف في أجل أقصاه 45 يوما , إبتداءا من تاريخ تحرير محضر معاينة المخالفة على وكيل الجمهورية المختص إقليميا , وبالضرورة
ستكون هذه المهلة أقل في الحالات التي تكون فيها المصالحة من إختصاص الوزير المكلف بالتجارة أي عندما تكون عقوبة الغرامة المقررة للمخالفة تفوق مبلغ 01 مليون دينار أوتقل عن 03 ملايين دينار, حتى يتسنى للوزير الرد على الطلب ضمن الأجل القانوني أي في مهلة 45 يوم من تاريخ تحرير محضر معاينة المخالفة .
و قد يحدد القانون 04/02 الجهة التي يوجه إليها الطلب , غير أنه يستشف من حكم المادة 60 من هذا القانون أن الطلب يوجه حسب مبلغ الغرامة المقررة جزاء المخالفة إما إلى الوزير المكلف بالتجارة أوإلى المديرالولائي المكلف بالتجارة , فيوجه الطلب إلى الوزير المكلف بالتجارة اذا كانت عقوبة الغرامة المقررة للخالفة تفوق مبلغ 01 مليون دينار أوتقل عن 03 ملايين دينار , ويوجه الطلب إلى المدير الولائي المكلف بالتجارة إذا كانت عقوبة الغرامة المقررة للمخالفة أقل من مليو دينار .
ومهما يكن فان الخطأ في توجيه الطلب إلى أي منهما , لا يترتب عليه أي أثر قانوني .
02 - موافقة الإدارة :
سبق القول أن المصالحة في مجال مخالفات المنافسة على غرار المصالحة في المجالين الجمركي والمصرفي , ليست حقا لمرتكب المخالفة وإنما هي مكنة جعلها المشرع في متناول الوزير المكلف بالتجارة , أو المدير الولائي المكلف بالتجارة, فلهما حق اللجوء إليها أو تركها .

وعلى هذا الأساس فإذا كان القانون يشترط على مرتكب المخالفة تقديم طلب مصالحة إلى الوزير المكلف بالتجارة أو المدير الولائي المكلف بالتجارة , فإنه لا يلزمهما بقبول الطلب بل ولا حتى بالرد عليه , وإذا إلتزمت الإدارة الصمت فهذا تعبير عن الرفض وليس عن القبول .
 فإذا كان مبلغ الغرامة المقررة قانونا للمخالفة تفوق 01 مليون دينار أوتقل عن 03 ملايين دينار تكون الموافقة من الوزير المكلف بالتجارة حسب المادة 60 /03 من القانون .
 وإذا كان المبلغ أقل أو تساوي من مليون دينار تكون الموافقة من المدير الولائي المكلف بالتجارة , المادة 60 فقرة 02.
لم يضبط القانون المذكور كيفية تحديد غرامة الصلح مما يجعل الإدارة تتمتع بسلطة تحديد بدل المصالحة بكل حرية .
و يصدر الوزير المكلف بالتجارة أو المدير الولائي المكلف بالتجارة مقرربمنح المصالحة , يحدد فيه المبلغ الواجب الدفع وأجل الدفع والجهة المكلفة بالتحصيل وهي الخزينة العمومية .
ثم يقوم المدير الولائي المكلف بالتجارة بدون تمهل بتبليغ مقرر المصالحة أيا كان مصدره إلى مقدم الطلب برسالة موصى عليها مع وصل الإستلام حسب المادة 04 من المرسوم95/ 335 .
و يمنح لمقدم الطلب أجل 30 يوم إبتداءا من تاريخ إستلام مقرر المصالحة ,لتسديد مبلغ تسوية الصلح مرة واحدة للخزينة العمومية , وفي حالة عدم دفع هذا المبلغ في الأجل المحدد يحال الملف إلى وكيل الجمهورية المختص إقليميا من أجل مباشرة المتابعات القضائية .
وقد أعطت المادة 61 من القانون 04/02 الحق للمخالف إجراء معرضة في غرامة المصالحة وهذا بنصها على أنه " للأعوان الاقتصاديين المخالفين الحق في معارضة غرامة المصالحة أمام المدير الولائي الوكلف بالتجارة أو الوزير المكلف بالتجارة .
يحدد أجل معارضة الغرامة بثمانية أيام من تاريخ تسليم المحضر لصاحب المخالفة
وقد أشارت نفس المادة في فقرتها الثالثة والرابعة أنه يمكن للوزير المكلف بالتجارة والمدير الولائي المكلف بالتجارة أن يجري تعديل في مبلغ غرامة المصالحة .
7.
8.
المطلب الثاني : أثار المصالحة في مجال قواعد ممارسة التجارة .
إن آثار المصالحة يختلف بإختلاف أطرافها , فكما ورد سابقا بأن قيام المصالحة في المسائل الجزائية يقتضي قيام نزاع بين طرفين أحدهما إدارة والثاني شخص متابع من أجل مخالفة قانون جزائي . ومفاد المصالحة في جميع الحالات واحدة وهي تفادي عرض النزاع على القضاء , وبالتالي فإن أثارها تختلف حسب طبيعة كل نزاع .
الفرع الأول : أثر المصالحة تجاه طرفيها .
إن أهم أثر للمصالحة الجزائية هو حسم النزاع تماما كما هو الحال بالنسبة للصلح المدني , ويترتب عن ذلك إنقضاء ما إدعى به المتصالحين وتثبيت حقوقهما , ومن ثمة فللمصالحة في قواعد ممارسة التجارة أثران يتمثلان في إنقضاء الإدعاءات وتثبيت الحقوق المتفق عليها .

أولا : أثــــر الإنقضاء :
تتفق كل القوانين الجزائية التي تجيز المصالحة , على حصر آثارها في مرحلة ماقبل صدور حكم قضائي نهائي و قد نصت المادة 61 من القانون04/02 فقرة 05 على أن المصالحة تنهي المتابعة الجزائية , علما أن التشريع المتعلق بجرائم مخافة قواعد ممارسة التجارة يحصر المصالحة في فترة ماقبل صدور حكم قضائي نهائي , بل وقبل إرسال محضر إثبات المخالفة إلى النيابة العامة .
ثانيا : أثــــر التثبيت :
تؤدي المصالحة الجزائية إلى تثبيت الحقوق , سواء تلك التي إعترف بها المخالف للإدارة أو تلك التي إعترفت بها الإدارة له , والمشرع لم يحدد مقابل الصلح فيما يخص جرائم مخالفة قواعد ممارسة التجارة وأحال بهذا الخصوص إلى التنظيم تاركا الحرية للإدارة في تحديده .
غير أنه بالرجوع إلى 60 من القانون 04/02 فإنه تم تحديد إختصاص إجراء المصالحة بحسب مبلغ الغرامة المقررة قانونا جزاءا للمخالفة وهي كالتالي :
 إذا كان مبلغ الغرامة يفوق مبلغ مليون ويقل عن 03 ملايين دج يكون تحديد غرامة المصالحة من إختصاص الوزير المكلف بالتجارة .
 إذاكان مبلغ الغرامة أقل أو يساوي مليون دينار يكون تحديد غرامة المصالحة من إختصاص المدير الولائي المكلف بالتجارة .
و في حالة غياب تحديد دقيق لمبلغ غرامة الصلح , تكون للإدارة المختصة كامل السلطة في تحديد هذا المبلغ في حدود الحدين الأدنى والأقصى المقررين جزاءا للمخالفة المعنية , كما هو الحال بالنسبة للقاضي , وفي كل الأحوال تنتقل ملكية غرامة الصلح إلى الخزينة العمومية .

الفرع الثاني : آثار المصالحة تجاه الغير.
إن تطبيق قاعدة عدم إنصراف أثر العقد إلى غير متعاقديه طبقا للقواعد العامة تطبق في مجال المصالحة بالنسبة لمخالفات المنافسة ويترتب على ذلك عدم انتفاع الغير بالمصالحة وأن لايضار من جرائها . أولا : عدم إنتفاع الغير بالمصالحة .
يقصد بالغير في مجال القانون المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية 04/02 الفاعلون الآخرون والشركاء فما مدى تطبيق قاعدة عدم انتفاع الغير بالمصالحة بالنسبة لجرائم مخالفة قواعد الممارسة التجارية , على الفاعلين الآخرين والشركاء لأن اعتبار المسؤولين المدنيين والضامنين من الغير ؟
بالنسبة لمخالفات قواعد الممارسة التجارية فإنه تكون العقوبة الجزائية شخصية على كل واحد بغض النظر عن إجراء أحدهم مصالحة مع الإدارة , وبالتالي فالقضاء ملزم بالحكم على المتهمين غير المتصالحين بكامل الجزاءات المالية المقررة قانونا للمخالفة المرتكبة , فلكل متهم عقوبته دون الرجوع إلى أن مصالحة أحدهم تؤدي إلى عدم الحكم على باقي المتهمين .
ثانيا : لا يضار الغير من المصالحة :

رجوعا إلى مبدأ شخصية العقوبة فإنه أصلا لايترتب ضررا على المصالحة بالنسبة للغير , فأثرها محصورا على طرفيها وبالتالي لايجوز للإدارة الرجوع على المتهين عند إخلال طالب المصالحة بإلتزاماته , كما لايلزم الغير بالمصالحة التي أجراها أحدهم مع الإدارة .

فلا يمكن للإدارة أن تحتج بإعتراف المتهم الذي تصالحت معه , بإرتكاب المخالفة لإثبات إذناب شركائه , فمن حق كل أحد منهم نفي الجريمة ضده بكل طرق الإثبات , ولا يكون للضمانات التي قدها المتصالح كذلك أي أثر على باقي المخالفين .
المبحث الرابع : المصالحة في مجال المخالفات التنظيمية .
تأخذ المصالحة في مواد المخالفات التنظيمية صورتين : غرامة الصلح المنصوص عليها في المادة 381 من قانون الإجراءات الجزائية , والغرامة الجزافية المنصوص عليها في المادة 392 من نفس القانون , ويتفق الإجراءان من حيث الشروط الموضوعية في المحاور الكبرى ويختلفان في مسائل أخرى سوف نذكرها بالتفصيل لاحقا , وسنتناول الشروط الموضوعية والإجرائية والخاصة بالمصالحة في هذا المجال ضمن المطلب الأول وفي المطلب الثاني نتطرق إلى آثار ها بإختصار , وذلك لأنها تقترب إلى حد بعيد من آثار المصالحة في جرائم المنافسة واالأسعار التي تناولناها سابقا .
المطلب الأول : شروط المصالحة .
يشترط القانون لتمام المصالحة في المخالفات التنظيمية توافر مجموعة من الشروط , بعضها يتعلق بمحل المصالحة وبعضها بالإجراءات الشكلية الواجب إستفاؤها والبعض الأخر بأطراف المصالحة , نتناول هذه الشروط ضمن فروع ثلاثة .

الفرع الأول : الشروط الموضوعية :
تأخذ المصالحة في مواد المخالفات التنظيمية – كما قلنا سابقا - صورتين : غرامة الصلح المنصوص عليها في المادة 381 من قانون الإجراءات الجزائية والغرامة الجزافية المنصوص عليها في المادة 392 من نفس القانون , وعليه نتناول الشروط الموضوعية في مخالفات القانون العام البسيطة ثم في مخالفات قانون المرور.

أولا : مخالفات القانون العام البسيطة ( غرامة الصلح ) :
يخضع الصلح في هذا المجال للشروط الآتي بيانها :
الأصل أن كل مخالفات القانون العام البسيطة يجوز تسويتها عن طريق غرامة الصلح غير أن المادة 391 من قانون الإجراءات الجزائية أوردت أربع إستثناءات على هذه القاعدة تفرغ المبدأ من محتواه , وتتمثل فيما يأتي :
9.
10. إذا كانت المخالفة تقع تحت طائلة جزاء آخر غير الجزاء المالي أو كانت تعرض مرتكبها لتعويض أضرار تلحق بالأشخاص أو بالأشياء أو لعقوبات تتعلق بالعود وبموجب هذا الشرط تستبعد كل مخالفات قانون العقوبات من مجال تطبيق غرامة الصلح لكونها تعرض كلها مرتكبها لعقوبة الحبس .
11. إذا كان ثمة تحقيق قضائي , علما أن المادة 66 تجيز التحقيق القضائي في مواد المخالفات .
12. إذا أثبت المحضر أكثر من مخالفتين ضد شخص واحد .
13. في الأحوال التي تنص فيها تشريع خاص على إستبعاد إجراء غرامة الصلح وهكذا نلاحظ أن المادة 390 المذكورة أعلاه ضيقت من مجال تطبيق غرامة الصلح إلى درجة أنها حولت المبدأ الذي جاءت به المادة 381 قانون إجراءات جزائية إلى إستثناء .
ثانيا : مخالفات قانون المرور ّ الغرامة الجزافية ّ .
يخضع الصلح في مجال مخالفات قانون المرور للشروط الأتي بيانها :
أجازت المادة 392 –1 قانون إجراءات جزائية كقاعدة عامة التسوية الودية للمخالفات بدفع غرامة جزافية , وعملا بأحكام بهذه المادة نص القانون رقم : 14/01 المؤرخ في 19 أوت 2001 المتعلق
بتنظيم حركة المرور عبر الطرق وسلامتها وأمنها المعدل والمتمم بالقانون 04/16 المؤرخ في 10/11/2004 ، على إمكانية تسوية بعض مخالفات قانون المرور تسوية ودية عن طريق دفع غرامة جزافية قيمتها محددة نصا .
ولقد حددت المادة 120 من القانون المذكور مجال تطبيق نظام الغرامة الجزافية , في حين نصت المادة 119 من نفس القانون على الحالات التي لا تطبق فيها الغرامة الجزافية , وهما حالتين :
 إذا كانت المخالفة المثبتة تعرض مرتكبها إما لعقوبة أخرى غير العقوبة المالية , وإما لتعويض عن الضرر المسبب للأشخاص أو الممتلكات .
 في حالة المخالفات المتزامنة والتي لا يترتب على إحداها على الأقل تطبيق الإجراء المتعلق بالغرامة الجزافية .
الفرع الثاني : الشروط الإجرائية
تختلف المصالحة في مجال المخالفات التنظيمية بشأن الشروط الإجرائية عن المصالحة في المجالات الأخرى في النقاط الآتي بيانها :
14. يتعين على ممثل النيابة العامة عرض الصلح قبل أي متابعة جزائية , ومن ثم فإن عرض الصلح إجراء مسبق في المخالفات التنظيمية .
15. كما تتميز المصالحة في مجال المخالفات التنظيمية عن باقي المجالات بكون الصلح فيها يتم إما مع ممثل النيابة العامة وهذا في مخالفات القانون العام البسيطة , وإما على مستوى الشرطة القضائية وذلك فيما يخص مخالفات قانون المرور .
و نتناول الشروط الإجرائية فيما يلي :
أولا : مخالفات القانون العام البسيطة :
يخضع الصلح في هذا المجال للشروط الإجرائية المبينة في المواد 381 إلى 390 قانون الإجراءات الجزائية والتي نلخصها في مرحلتين :
1. عرض التسوية الودية :
ترجع المبادرة في طلب الصلح بالنسبة للمخالفات التي تخضع لإجراء غرامة الصلح إلى النيابة العامة , وقد نصت المادة 381 من قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي : " قبل كل تكليف بالحضور أمام المحكمة يقوم عضو النيابة العامة المحال عليه محضر مثبت لمخالفة بإخطار المخالف بأنه مصرح له بدفع مبلغ على سبيل غرامة صلح مسا للحد الأدنى المنصوص عليه قانونا لعقوبة المخالفة " فمن هذه المادة نستنتخ أن وكيل الجمهورية يقوم قبل أن يكلف المخالف بالحضور امام المحكمة بأنه مرخص له بالتسوية الودية للمخالفة وذلك بدفع مبلغ مالي يمثل غرامة الصلح تحدد بموجب قرار , وقد أضافت المادة 383 من قانون الإجراءات الجزائية ما يلي : " ترسل النيابة العامة إلى المخالف في خلال 15 يوما من القرار بموجب خطاب موصى عليه بعلم الوصول , إخطارا مذكورا فيه موطنه ومحل ,إرتكاب المخالفة وتاريخها وسببها , والنص القانوني المطبق بشأنها ومقدار غرامة الصلح والمهل وطرق الدفع المحددة في المادة 384 " .
2. موافقة مرتكب المخالفة :
إضافة إلى المرحلة الأولى المتمثلة في عرض التسوية الودية من طرف وكيل الجمهورية للمخالف , يجب كذلك أن يبدي هذا الأخير موافقته على ذلك في مهلة 30 يوما الموالية لإخطاره بذلك , و أن يدفع دفعة واحدة نقدا أو بحوالة بريدية مبلغ غرامة الصلح بين يدي محصل مكان سكناه أو المكان الذي ارتكبت فيه المخالفة وهذا حسب ما نصت المادة 386 من قانون الإجراءات الجزائية على أن يبلغ القائم بالتحصيل النيابة لدى المحكمة بدفع غرامة الصلح إذا تم صحيحا وذلك في ظرف 10 أيام من تاريخ الدفع , وإذا لم
يقوم المخالف بدفع الغرامة في مهلة 45 يوما من تاريخ تسلمه الإخطار فإنه يحال على المحكمة طبقا لإجراء التكليف بالحضور .
ثانيا : مخالفات قانون المرور .
يتم الصلح في مخالفات قانون المرور بين الشرطة القضائية ومرتكب المخالفة وفق نظام الغرامة الجزافية , وقد نص المشرع الجزائري على الصلح في القانون رقم : 14/01 المؤرخ في 19 أوت 2001 المتعلق بتنظيم حركة المرور عبر الطرق وسلامتها وأمنها المعدل والمتمم بالقانون رقم 04/16, في المواد : 118 , 119 , 120 , ومن استقراء النصوص السابقة نستنتج أن الصلح في مخالفات قانون المرور يتم على مرحلتين :
01 – عرض التسوية الودية : يقوم عضو الشرطة القضائية الذي أثبت المخالفة بعرض التسوية الودية على مرتكب المخالفة بمجرد معاينتها وذلك بتسليم إشعار بالمخالفة لسائق المركبة او في حالة غيابه يتركه له على المركبة , يتضمن هذا الإشعار طبيعة المخالفة المرتكبة ومبلغ الغرامة الجزافية واجبة الأداء .
02 – موافقة مرتكب المخالفة : بناءا على الإشعار المذكور يتجه المخالف , في حالة موافقته على العرض , نحو إحدى قباضات الضرائب أو أحد مكاتب البريد لشراء طابع بقيمة مبلغ الغرامة الجزافية المحددة له وهو طابع مميز تصدره وزارة المالية خصيصا لهذا الغرض , ويقوم المخالف بإلصاق الطابع المذكور في الإشعار المذكور بالمخالفة في المكان المخصص له ثم يكمل البيانات الناقصة في الإشعار ويرسله إلى المصلحة المعينة فيه خلال خمسة عشر – 15 - يوما من تاريخ معاينة المخالفة , وفي حالة عدم دفع الغرامة الجزافية في الآجال المذكورة أعلاه يرسل المحضر إلى الجهة القضائية المختصة . في هذه الحالة ترفع الغرامة إلى أقصى حد طبقا لأحكام المادة 120 المذكورة سابقا .
الفرع الثالث : الشروط المتعلقة بأطراف المصالحة .
الإدارة :
يجب أن يكون ممثل الإدارة الذي يجري المصالحة مع مرتكب المخالفة موظفا مختصا قانونا , ذلك أن صحة المصالحة مشروطة بمدى إختصاص ممثل الإدارة ومن ثمة تبطل المصالحة التي يجريها موظف غير مختص أو تجاوز حدود اختصاصه , ونظرا للطابع الإستثنائي الذي تكتسبه المصالحة ولقوتها غير المألوفة فإن الترخيص بها يكون صريحا وبمقتضى نص تشريعي , وتكون السلطات المختصة بها معينة تعيينا دقيقا وفق تدرج رتبهم وتبعا لذلك تكون سلطة التصالح مسندة بصورة ضيقة لموظفين معينين , ويكون اختصاصهم تدريجيا ومحددا بحسب أهمية القضية وجسامة المخالفة المرتكبة , ويتمثل ممثلو الإدارة الذين يجوز لهم إجراء المصالحة في :

 وكيل الجمهورية : أجازت المادة 381 من قانون الإجراءات الجزائية لوكيل الجمهورية المختص محليا بإخطار مرتكب المخالفة البسيطة غير المنصوص عليها في قانون العقوبات بأن له دفع مبلغ على سبيل غرامة الصلح وذلك قبل أي متابعة , ويشترط لصحة الإجراء أن يكون وكيل الجمهورية مختص محليا , وهذا يقتضي أن تكون المخالفة قد ارتكبت في دائرة اختصاصه أو أن يكون مرتكب المخالفة يقيم بدائرة اختصاصه .
 ضابط الشرطة القضائية : أجازت المادة 118 من القانون رقم : 14/01 المؤرخ في 19 أوت 2001 المتعلق بتنظيم حركة المرور عبر الطرق وسلامتها وأمنها المعدل والمتمم, تسوية مخالفات قانون المرور بطريقة ودية عن طريق دفع غرامة جزافية , حيث يقوم عضو الشرطة القضائية الذي أثبت المخالفة بعرض التسوية الودية على مرتكب المخالفة بمجرد معاينتها , وهذا بدفع الغرامة الجزافية التي لا

يتجاوز حدها الأقصى 5000 دينار في غضون خمسة عشر – 15 - يوما التي تلي تاريخ معاينة المخالفة , وفي حالة عدم دفع الغرامة الجزافية ضمن هذا الأجل يرسل المحضر إلى الجهة القضائية المختصة , حتى يكون الإجراء صحيحا يتعين أن يصدر عن عضو الشرطة القضائية الذي أثبت المخالفة أو من أحد مسئوليه في دائرة إختصاص المحكمة التي ارتكبت فيها المخالفة .

I. المتصالح مع الإدارة :
يمكن التصالح مع مرتكبي المخالفات التنظيمية سواء المتعلقة بالمخالفات البسيطة أو مخالفات فانون المرور , ويستوجب أن يكون مرتكب المخالفة بالغا أو متمتعا بقواه العقلية , ولا يمكن تصور المصالحة مع الشريك لكون أن القانون لا يعاقب على الاشتراك في المخالفات التنظيمية وهذا حسب نص المادة 44-04 من قانون العقوبات .

المطلب الثاني : آثار المصالحة في المخالفات التنظيمية .
تختلف آثار المصالحة في المخالفات التنظيمية باختلاف أطرافها ,وهذا على غرار آثار المصالحة في المواد الأخرى , التي ترمي في النهاية إلى تفادي عرض النزاع على القضاء , غير أن الآثار المترتبة في هذا المجال تنحصر على طرفيها , وبالتالي لا تنصرف آثار المصالحة إلى الغير( الفاعلون الآخرون والشركاء ) بحيث لا ينتفع ولا يضار منها, فالقضاء ملزم بالحكم على المتهمين غير المتصالحين وذلك باعتبار أن الجزاءات المقررة للمخالفات التنظيمية هي جزاءات جزائية بحتة , فيكون لكل متهم عقوبته وفقا لمبدأ شخصية العقوبة , وبالنتيجة لا يترتب ضرر على المصالحة بالنسبة للغير , ولا يلزم باقي المتهمين بالمصالحة التي أبرمها أحدهم مع الإدارة .



وترتب على المصالحة تجاه طرفيها انقضاء ما نزل عنه كل من ةالمتصلحين عن ادعاءاتهم , وتثبيت ما اعترف به كل من المتصالحين للآخر من حقوق , فنتناول الأثرين باختصار- لسبق تناولهما ضمن المبحث السابق - فيما يلي :

الفرع الأول : أثر الإنقضاء .
يترتب على المصالحة بين طرفيها انقضاء الدعوى العمومية , وهذا بدفع غرامة الصلح , أو الغرامة الجزافية وذلك حسب المادتين : 381 و 392 من قانون الإجراءات الجزائية في فقرتيهما الأولى . فالمادة 392 مثلا نصت على أنه : " يمكن أن تنقضي الدعوى العمومية الناشئة عن مخالفة , في المواد المنصوص عليها بصفة خاصة في القانون , بدفع غرامة جزافية داخلة في قاعدة العود . ويمكن أن يتم تسديد الغرامة خلال الثلاثين يوما من تحقق المخالفة لدى المصلحة المذكورة في الإخطار بالمخالفة , بواسطة طابع غرامة يعادل مبلغ الغرامة الواجب الأداء . وإذا لم يجرى التسديد في المهلة المنصوص عليها في الفقرة الثانية أعلاه يحال محضر المخالفة على وكيل الجمهورية الذي يرفعه بدوره إلى القاضي مشفوعا بطلباته " .
وحتى ترتب المصالحة هذا الأثر يجب أن تجرى في فترة ما قبل صدور حكم قضائي , بل وقبل إرسال محضر إثبات المخالفة إلى نيابة الجمهورية .

الفرع الثاني : أثر التثبيت .
تؤدي المصالحة الجزائية إلى تثبيت الحقوق , وغالبا ما يكون أثر التثبيت محصورا على الإدارة وذلك بحصولها على بدل المصالحة الذي تم الاتفاق عليه , والمتمثل في مبلغ غرامة الصلح , و لقد حدد المشرع فيما يخص المخالفات التنظيمية مبلغ غرامة الصلح الذي يجب أن يكون مساويا للحد الأدنى للعقوبة المقررة قانونا للمخالفة المرتكبة بالنسبة للمخالفات التي تقبل نظام غرامة الصلح ( المادة 381 من قانون

الإجراءات الجزائية ) , وتساوي مبلغ الغرامة المقررة قانونا لهذه المخالفة بالنسبة للمخالفات التي تقبل نظام الغرامة الجزافية ( المادة 392 من قانون الإجراءات الجزائية ).
وقد حددت المادة 120 من قانون تنظيم حركة المرور عبر الطرق وسلامتها وأمنها رقم 14/01 قيمة الغرامة الجزافية على النحو الآتي :
 200 دينار جزائري للمخالفات المستوجبة غرامة لا تتجاوز قيمتها القصوى 300 دينار جزائري .
 300 دينار جزائري للمخالفات المستوجبة غرامة لا تتجاوز قيمتها القصوى 800 دينار جزائري .
 800 دينار جزائري للمخالفات المستوجبة غرامة لا تتجاوز قيمتها القصوى 1500 دينار جزائري .
 1500 دينار جزائري للمخالفات المستوجبة غرامة لا تتجاوز قيمتها القصوى5000 دينار جزائري.
وقد حددت المادة 119 المذكورة سابقا , الحالات التي لا يمكن فيها تطبيق الإجراء المتعلق بالغرامة الجزافية , وفي كل الأحوال بمجرد دفع غرامة الصلح أو الغرامة الجزافية تصبح ملكا للخزينة العمومية .