المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير البطالة في الفكر الاقتصادي2


نور ريحان
10-09-2007, 10:06 PM
ثالثا: تفسير البطالة عند النيوكلاسيك والاشتراكيين الطوباويين
لقد جاءت أعمال الاقتصاديين الإنسانيين في أعقاب النتائج المدمرة التي خلفتها الرأسمالية الصناعية على المستوى الإنساني، حيث انتشرت مظاهر البؤس والفقر والبطالة والدعارة والجرمية، وارتفعت بذلك الهامشية الاجتماعية وعادت أوربا إلى ممارسات العبودية والاستغلال اللاإنساني للطبقة العاملة بل حتى الأطفال لم يتم استثناؤهم من الآلة الهمجية للاقتصاد الرأسمالي الصناعي، وقد مثلت كتابات رواد هذا الاتجاه سان سيمون Saint Simon (1760-1825)، روبرت أوين Robert Owen (1771-1858)، شارل فورييه C. Fourrier (1772-1838)، بييـر جوزيف برودون P.J.Prudhoun (1809-1865)، لاسال F.Lassale (1825-1864)، لوي أوجست بلانكي C.A.Blanqui (1805- 1881)، جون فرنسيس براي J.François Bray (1809-1895) ورود برتـس J.Karl.Robertus (1805- 1875)... وغيرهم، انتقادات صارمة لهذه الوضعية وفضحا للمساوئ الكبيرة التي ينطوي عليها نمط الإنتاج الرأسمالي إلى الحد الذي دفع بعضا منهم إلى تقديم بدائل طوباوية لحل الجانب الإنساني للرأسمالية وقد عرفوا أيضا بالاشتراكية الخيالية [8] الني لم تراوح مجالس البورجوازية الصغيرة مراهنة على إصلاح الرأسمالية من الداخل من خلال معالجة الجوانب الاجتماعية في علاقات الإنتاج.
ويمكن القول أن أعمال وليام تومبسون William Thompson (1782-1833) وجـون جـراي Jhon Gray (1799-1850) وتوماس هودجسين Thomas Hodgeskin (1778-1869) على التوالي:
í "بحث في مبادئ توزيع الثروة المؤدية أكثر من غيرها إلى السعادة البشرية" وليام تومبسون 1824 و"جزاء العمل" 1827.
í "النظام الاجتماعي: رسالة في مبدأ التبادل" جون جراي 1831
í "الدفاع عن العمل" توماس هودجسكين 1825.
الأسس النظرية الأولى التي بنى عليها ماركس معظم أفكاره وتصوراته حول النظام الرأسمالي، لقد ركز الاقتصاديون الإنسانيون على أن البطالة هي النتيجة الموضوعية لهيمنة الملاك على الأرض والرأسماليين على وسائل الإنتاج وبالتالي الهيمنة على القيمة التي هي ناتج عمل العمال، بينما مالكو وسائل الإنتاج ما هم إلا مجموعات طفيلية على هامش الإنتاج تسعى فقط إلى السيطرة على فائض القيمة وتنمية الأرباح بخفض تكاليف الإنتاج وخاصة تسريح اليد العاملة أو استغلالها استغلالا بشعا، لذا اعتقدوا ومعهم عدد من المفكرين الاقتصاديين أن الطبقة العاملة من حقها أن تفهم آليات الاقتصاد السياسي لكي تفهم آليات الاستغلال وبالتالي تنظيم صفوفها لمواجهة الرأسمالية المتوحشة الصاعدة، وهو ما تحقق في العام 1825 في بريطانيا إذ صدر أول قانون يشرع لتأسيس نقابات عمالية.
لمواجهة هذه الوضعية نشأت المدرسة الحدية النيوكلاسيكية كتعبير للبورجوازية الخائفة من تفاقم وعي الطبقة العاملة ونتائجه السلبية على مصالحها، حاملة معاولها لهدم العلاقات الاجتماعية للاقتصاد، وللتأكيد على قانون ساي من جديد ونفي تعرض النظام لأزمة فائض الإنتاج كما أكدت الماركسية وبذلك رفضوا رفضا مطلقا إمكانية حدوث بطالة واسعة إذ أن المنافسة الكاملة تمكن الاقتصاد من بلوغ التوظيف الكامل وبالتالي لا يمكن تصور البطالة في هذا النظام إلا بصورتها الاختيارية أو الهيكلية [9]، ولعل الظروف التاريخية (نهاية القرن 19) التي اشتغلت فيها المدرسة النيوكلاسيكية والتي صادفت الحركة الاستعمارية التي ساهمت في تراكم رأس المال في البلدان الصناعية نظرا لعمليات النهب الكبيرة التي تعرضت لها في دراستها حول "ما هو الاقتصاد السياسي [10]، حيث مكنت هذه الوضعية من تحسن نسبي في الجوانب الاجتماعية للطبقة العاملة، إضافة إلى التقدم التكنولوجي الهائل الذي عرفه العالم آنذاك (التلفون، الكهرباء، السيارة...).
في ختام هذا الجرد لتصورات النيوكلاسيك يتضح لنا بأن هذه المدرسة لم تعطي عناية ملمة لموضوع البطالة وذلك لطابعها المحافظ الذي آمن بالتوظيف الكامل للاقتصاد.
رابعا: التفسير الكنيزي للبطالة
"كنت ترى بائعي السندات السابقين على أرصفة الشوارع يحاولن بيع التفاح، على حين أصبح الكتبة السابقون يطوفون أحياء المال لكي يعيشوا على تلميع الأحذية ومسحها. وأخذ المتعطلون والمشردون يرحبون بالقبض عليهم بتهمة التشرد بغية الحصول على الدفء والطعام في السجن. وطلب أكثر من مائة عامل أمريكي العمل في الاتحاد السوفياتي [11]." بهذه الصورة القاتمة يختزل شانون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يعرفها المجتمع الأمريكي، وهي الظروف التي ستعلن عن ميلاد واحدة من أهم المدارس الاقتصادية ألا وهي المدرسة الكنيزية مع جون ماينرد كنيز Johon M.Keynes (1883-1946) والتي اعتبرها خصومها مدرسة منظرة للبطالة، والحقيقة أنها كانت كذلك في الاتجاه الذي يناقض الاقتصاديين المحافظين الذي كانوا لازالوا أوفياء للمدرسة الكلاسيكية والمدرسة الحدية، على الرغم من المآسي التي عرفها العالم بعد الخميس السود سنة 1929، والتي يقول عنها جوزيف شومبيتر J.A.Schumpeter : "لم توجد أي منطقة محصنة من آثار أزمة عام 1929، لأنها كانت أزمة صناعية وزراعية، فانطبقت آثارها السيئة على الجميع. وخفضت الدخول والمرتبات في جميع البلاد ولجميع الأفراد، إما بطريق مباشر، ناجم عن سقوط قيمة العملات، وإما بطريق غير مباشر بتخفيض الإنفاق الحكومي الذي اضطرت إليه الحكومات عندما انكمشت مواردها بنسبة تتراوح بين % 25 و % 45 كما قدرت المؤسسة الألمانية للبحوث الاقتصادية. ولم يحدث قط في تاريخ الخمسين سنة الماضية أن تدهورت دخول الناس كما هوت في هذه الأزمة التي لم تبق على مرتبات الموظفين وذوي الدخول الثابتة والزراعيين، وهي الدخول التي من النادر أن تكون قد مست أو لم تمس على الإطلاق في الأزمات السابقة [12]."، لقد أدت مرحلة الأزمة هذه إلى تحولات جوهرية في دور الدولة التي كانت في السابق وبفعل ضغط الكلاسيكيين والنيوكلاسيك محايدة بشكل مطلق، لتتحول إلى جهة متدخلة على عكس التصور الرأسمالي الذي يمنح للسوق أهمية بالغة، وقد تجلى تدخل الدولة وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع السياسة التي نهجها فرانكلين روزفلت والمعروفة بالنهج الجديد New Deal مركزة على العامة لزيادة حجم الطلب الكلي [13]، وكان لهذه السياسة آثار إيجابية على خفض معدلات البطالة والفقر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بريطانيا وألمانيا مع صعود النازية واتجاهها نحو الأشغال الكبرى والتسلح الضخم.
لقد برز كينز في كنف هذا التدخل الدولي في الشأن الاقتصادي على نحو غير مسبوق، فنزعت نظريته إلى تبرير وتنظير هذا التدخل، حيث يتبين من كتابات كينز ما لدور الدولة من أهمية في إقامة التوازن للنظام الرأسمالي، وبالتالي نقص الأطروحة الكلاسيكية والنيوكلاسيكية.
لقد ركز كينز على أهمية الطلب الكلي الفعال والذي يقسمه إلى طلب على سلع الاستهلاك من جهة، وطلب على سلع الاستثمار، وهذا الطلب هو الذي يحدد حجم العرض الكلي، وبالتالي حجم الناتج والأجور والعمالة. وبالنتيجة فإن البطالة هي المقابل الموضوعي لضعف الطلب الكلي الفعال وللقضاء عليها يجب تنمية الطلب الكلي الفعال، ولتحقيق التوازن في الدخل القومي كان من اللازم بالنسبة لكينز أن يتعادل الادخار مع الاستثمار على نحو المعادلات التالية:
الدخل القومي = الاستهلاك + الادخار
الناتج القومي = الاستهلاك + الاستثمار
أي الدخل القومي = الناتج القومي وبالتالي فإن الادخار = الاستثمار
وتتضح أهمية هذه الخلاصة في ضوء المستجدات التي عرفها النظام الرأسمالي على عهد كينز حيث بفاعلين جدد إلى مجال التحكم في الادخار والاستثمار عبر الأسواق النقدية والمالية، وهو ما لم يعايشه الكلاسيكيون والنيوكلاسيك، الذي لم يضعوا في الحسبان إمكانية انفصال الادخار عن الاستثمار إذ اعتبروا كل ادخار هو استثمار، وبالتالي لا مجال لوجود خلل بين العملتين وهو ما أصبح ممكنا في عهد كينز الذي اعتبر الكساد والبطالة هما الحصيلة الموضوعية للخلل ما بين الادخار والاستثمار ومن ثم نادى بتدخل الدولة، "فلو افترضنا، مثلا، أنه في فترة ما زاد حجم الادخار على الاستثمار، فإننا نجد حسب المنطق الكنيزي، أن الطلب الكلي الفعال سوف يقل عن العرض الكلي. في هذه الحالة سنجد أن المخزون السلعي في قطاع الأعمال يتزايد عن مستواه الطبيعي، وتتراكم السلع في المحال التجارية، وتنخفض السعار، واقل الأرباح، ويقل الناتج، وتتزايد الطاقة العاطلة، وتحدث بطالة، وينخفض مستوى الدخل القومي. ولما كانت هناك علاقة دالية (علاقة ارتباط) بين مستوى الدخل القومي ومستوى الادخار القومي، فإن انخفاض الدخل القومي سيؤدي خلال الفترة الجارية إلى تقليل حجم الادخار، حتى يتعادل مع حجم الاستثمار في نهاية الفترة. وبذلك يتحدد توازن الدخل القومي عند مستوى أقل من مستواه في بداية الفترة. وخلال هذه الفترة يكون هناك انكماش قد حدث مسببا معه حدوث بطالة بين صفوف العمال [14]".

المصدر : موقع الحوار المتمدن